وُلد اللورد كرومر في العام 1841، وشهد ذروة المد الإمبريالي البريطاني، وتوسُع الإمبراطورية الاستعمارية التي لا تغيب عنها الشمس. وكان له نصيب هائل وضخم وعنيف من إسهامات هذه الإمبراطورية الدموية من خلال عمله مندوباً ساميا للاحتلال البريطاني في مصر في الفترة من عام 1883 وحتى عام 1907، قبل أن يرحل عن مصر على إثر فضيحة دنشواي التي ارتبطت بإعدام أربعة مصريين من الفلاحين، إضافة إلى جلد عدد آخر منهم.

لقد اشتهر اللورد كرومر بصفاقته في معاملة المصريين، والحديث المزري عنهم، في الوقت الذي كان يرى فيه أن انجلترا صاحبة فضل كبير في تعليم هؤلاء المصريين الجهلة وإخراجهم من حالة الفقر التي يعيشونها.

ورغم هذا الخطاب الصفيق، فإن واقع الأمر لم يكن يشير إلى أي تقدم حققه الاستعمار البريطاني للمصريين، فقد كانت مصر تمثل خزينة مفتوحة على مصراعيها تصب في مصلحة التاج البريطاني، مثلها في ذلك مثل الهند، لتؤمن له المزيد من القوة والهيمنة على العالم.

لقد تم سرقة مصر ونهبها منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، في أكبر عملية نهب منظم تمت تحت سمع وبصر قيم التنوير الغربية، وقيم الحضارة الغربية المدعية.

توفي اللورد كرومر عام 1917، والإمبراطورية البريطانية مازالت في أوج قوتها، رغم المصاعب الهائلة التي بدأت تواجهها، وبشكلٍ خاص بعد تصاعد حركات الاستقلال ضدها، إضافة إلى ظروف وأوضاع الحرب العالمية الأولى، وبداية بزوغ المارد الأميركي.

وفي العام 1953، وُلد توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الحالي، الذي غالباً ما سوف يترك منصبه بحلول صيف هذا العام. وبينما شهد كرومر بريطانيا وهي في قمة هيمنتها، فإن بلير شهدها وهي ذليلة خاضعة مُرتمية في أحضان الولايات المتحدة الأميركية، وهو الأمر الذي لم يستطع أن يتخلص منه بلير ذاته، وربما الكثير من القادة البريطانيين السابقين، وعلى رأسهم مارغريت تاتشر.

فبريطانيا لم تنس أنها كانت قوة عظمى، ولم تنس أنها قد حكمت العالم، وتحكمت بمقاديره، وغيرت التاريخ والجغرافيا، في أكبر عملية إعادة تشكيل للعالم في القرنين التاسع عشر والعشرين. لقد دفع هاجس الإحساس بالماضي التليد بالكثير من قادتها إلى التوحد مع سياسات الولايات المتحدة الأميركية بشكلٍ مفرط ومهين في الكثير من الأحيان.

نشر توني بلير مقالاً حديثاً في المجلة الأميركية ذائعة الصيت (شؤون خارجية)، عدد يناير/ فبراير 2007، بعنوان (معركة من أجل القيم الكونية)، تناول فيه العالم وأحواله من منظور سياسي يلملم حقائبه، ليترك رئاسة وزراء بريطانيا العظمى. ورغم بعد المسافة بين اختفاء اللورد كرومر عن ساحة الحياة، وظهور توني بلير، فإن أوجه الشبه بينهما كثيرة، رغم اختلاف العصر، وتحولات التاريخ، وإعادة تشكيل الجغرافيا. وحتى نعرض لأوجه الشبه فيما بينهما، علينا أولاً أن نبين أهم القضايا التي تناولها بلير في مقالته أو لنقل رؤيته الاستعمارية الحديثة.

يبدو عنوان المقالة دالاً بدرجة كبيرة على ماهية رؤية بلير، فهناك دعوة نضالية من أجل القيم الكونية التي تجمع فيما بيننا كبشر يجمعنا كوكب واحد وأهداف مشتركة واحدة. فبلير يتجاوز دور السياسي ليفرض علينا دور الداعية الأخلاقي، الخائف على مصير الكون، حيث تدفعه مثالياته، التي يرى أنها تعبير جاد وحقيقي عن طروحات سياسية واقعية، إلى الحديث عن هموم كوكبنا، والمصائر المختلفة التي تنتظرنا.

وحتى يجد بلير تكأة حقيقية يستند إليها في حديثة عن هذه القيم الكونية، التي يجب أن يتحد الجميع من أجل الدفاع عنها وتحقيقها، فإنه يتحدث عن الإرهاب الإسلامي المعاصر المنتشر في كل أرجاء الأرض. وبأريحية الحكماء، والسياسيين الذين ينتظرون ترك مناصبهم وكراسيهم، فهو يفصل بين هؤلاء الإرهابيين، وبين ملايين المسلمين الطيبين، الذين يؤمنون بالتسامح وبالقيم الغربية، قيم الحداثة، التي يحيلها بلير إلى قيم الحضارة الإنسانية المشتركة. ورغم حديثه المستمر والمتواصل عن هذه القيم، فإنه لا يكشف لنا عن عناصر ومكونات هذه القيم، بقدر ما يجعلنا نستشعر أنها لا تخرج عما يؤمن به الغربيون أنفسهم من قيم وقناعات مرتبطة بالحضارة الغربية.

لا يوجه بلير رؤيته للقراء العرب والمسلمين، لكنه يوجهها، وهنا مكمن الدهاء والخبث، إلى بعض القراء في العالم الغربي، الذين يلومون أميركا وبريطانيا على حربهما ضد الإرهاب، ويرون أن سبب تعاظم الإرهاب، يعود إلى السياسات الغربية الخاطئة في العراق وأفغانستان وفلسطين. يؤكد بلير أن هؤلاء المواطنين الغربيين الذين مازالوا يؤمنون بأخطاء الغرب المختلفة ضد المسلمين يجب أن يغيروا آراءهم، وأن يقفوا ضمن جبهة الدفاع عن القيم الغربية، قيم الإنسانية المشتركة.

إضافة إلى ذلك، يرى بلير أن المعركة ضد الإرهاب لا يجب أن تقف فقط عند الجانب الأمني، بل يجب أن تتعداه إلى تغيير العقول والقلوب، فبدون أن نتغير نحن العرب والمسلمين، ونؤمن بأهمية النضال والحرب ضد الإرهاب، ونستدمج القيم الغربية، المعبرة عن القيم الإنسانية المشتركة، لن تنجح معركة الحرب ضد الإرهاب. لم يكتف الغرب بالتدخل في تغيير المناهج والمقررات الدينية والتعليمية في العالم العربي، لكنه يريد الآن تغيير عقولنا وقلوبنا ومشاعرنا.

يرتدي بلير مسوح النقاء والإنسانية والحكمة، فيتحدث عن دور الغرب، في مكافحة الفقر، والحفاظ على البيئة، ونشر العدل والمساواة. هكذا تختلط الأفكار وتتعدد الرؤى. يبدأ بلير مقالته بالحرب على الإرهاب، وبأهمية النضال من أجل القيم الإنسانية المشتركة، واضعاً المسلمين والعرب في صدر الصورة، ثم ينتقل إلى الحديث عن أهمية مكافحة الفقر والحفاظ على البيئة. ورغم أنه يُحمِّل الدول الغربية دوراً هاماً في مكافحة الفقر والحفاظ على البيئة، إلا أن هذه الأدوار تتلاشى بجانب معركة النضال والكفاح من أجل الحفاظ على القيم الإنسانية المشتركة التي يمكن أن تضيع على أيدي المسلمين والعرب، وعلى أيدي المقاومة اللبنانية والفلسطينية والعراقية.

واللافت للنظر هنا، أن بلير مازال يعظم من شأن الولايات المتحدة الأميركية على المستوى الكوني، إلى الدرجة التي يرى أن (الخطر في العلاقة مع الولايات المتحدة اليوم لا يكمن في أنها شديدة الارتباط بالعالم. بل الخطر في أنها قد تقطع جسورها وتنسحب). مازال بلير متوحداً مع سياسات بوش، ومازال يربط مصير العالم بالدور الأميركي الذي ثبت عدم فاعليته في الكثير من أرجاء العالم، إلى الحد الذي يمكن معه القول بأن أميركا لا تتدخل في أي مكان في العالم إلا واندلعت فيه الحروب والاضطرابات المختلفة.

كان اللورد كرومر يمتلك صفاقة الخطاب الاستعماري في الربعين، الأخير من القرن التاسع عشر والأول من القرن العشرين، لذلك فقد كان يسرق المصريين مباشرة، ثم يكيل لهم خطابات الاستهزاء التي تحط من شأنهم، وتنتقص من قدرهم. وفي كل هذه الأحوال فقد كان مركزيا في تفكيره، تشمله التوجهات الغربية الاستعلائية المُحطة من شأن الشرق وثقافته وإسلامه. كان خطاب اللورد كرومر متسقاً مع تكوينه الإمبريالي الجلف.

فلم يكن الرجل بحاجة لكي يناور ويلف ويدور ليختار كلماته عن المصريين بعناية وبحرص، فقد كان الحاكم الفعلي لمصر لمدة تربو على الربع قرن من الزمان.

ورغم تغير الزمان والتاريخ والجغرافيا الآن قياساً لما كان عليه الحال زمن اللورد كرومر، فإن بلير لم يتغير، ولم يفارق جينات جده الاستعمارية. الفارق بينهما، أنه بينما كان كرومر يحتقر مصر والمصريين والإسلام بشكلٍ مباشر وعلني، فإن بلير يتحدث عن الإسلام بإعجاب في صدر مقالته، ثم يتحدث عن القيم التي يجب النضال من أجلها، والتي هي في النهاية قيم المجتمعات الغربية المسيحية.

وبينما يرى الملايين في كافة أنحاء العالم العربي في حزب الله نموذجاً حقيقيا للمقاومة، مثله مثل حماس، فإن بلير يصفهما بالإرهاب. إن الفارق الرئيس بين كرومر وبلير يكمن في أن الأول كان صفيقاً وجلفاً في أحاديثه الاستعمارية، بينما يغلفها الثاني بإطار القيم الكونية والإنسانية المشتركة، ويمنحها طابعاً كونياً شاملاً، وكأنه مهدي القرن الواحد والعشرين المنتظر.

ينسى بلير أو يتناسى أنه كذب أمام شعبه بخصوص أسلحة الدمار الشامل في العراق. كما ينسى أو يتناسى الجرائم النازية التي ارتكبتها القوات الأميركية والبريطانية في العراق، وعلى رأسها ذلك التدمير المنظم والمقصود للمرافق المدنية التي حصلت بموجبه الشركات الأميركية والبريطانية على عقود إعادة بنائها.

كما ينسى أو يتناسى فضحية سجن أبوغريب، واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا ضد العراقيين، حتى قصف مقر الأمم المتحدة ذاته، الذي ذكره بلير في مقالته، من المرجح أن يكون قد تم بمعرفة القوات الأميركية للتخلص من أي وجود للأمم المتحدة في العراق.

وينسى بلير أو يتناسى أن ذهاب القوات الأميركية والبريطانية للعراق لم يكن من أجل سواد عيون العراقيين، ومن أجل تحقيق الديمقراطية له، لكنه من أجل المصالح المادية المباشرة، ومن أجل العقود التي حصل عليها رجال الأعمال الغربيون. كما ينسي أو يتناسى تلك الممارسات الصهيونية الدموية ضد الفلسطينيين وضد المدنيين اللبنانيين التي تتم تحت سمع ومرأى العالم الغربي المتحضر.

من السذاجة أن يتصور بلير أن الديمقراطية يمكن أن تحدث بمجرد دخول القوات الأميركية والبريطانية إلى العراق أو إلى أفغانستان، وأن العالم العربي سوف يتغير بمجرد دخول هذه القوات. فما حدث هو العكس تماماً حيث المزيد والمزيد من إعادة تشكيل جغرافيا المنطقة، والمزيد والمزيد من زراعات الأفيون في أفغانستان. كل ذلك على مرأى ومسمع قوات التحالف الدولي، راعية القيم الكونية التي يتحدث عنها بلير. كان من الممكن أن يرحل بلير في صمت، ويتركنا نبحث عن القيم الخاصة بنا، والمناسبة لمنطقتنا، لكنه أبى إلا أن يترك لنا تلك النسخة الأكثر ابتذالاً ودهاءً من خطابات جده اللورد كرومر.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com