السناتور جون كيري الذي خاض انتخابات الرئاسة الأميركية عن الحزب الديمقراطي في 2004، عاد ثانية بسقطة في حق بلده أعطى بها، عن غير قصد بالطبع، لمحة سريعة عن الطريقة التي يصف بها عدد كبير من النخبويين المهتمين بالقضايا العالمية في العصر الحالي أوطانهم عندما يكونون خارجها.
في السابق قال كيري إن جنودنا كانوا «يُرهبون» المدنيين العراقيين في وطنهم. وحذر من أن الأميركيين غير المتعلمين يمكن أن «يغرقوا في وحل العراق»، وهي عبارة كان يفترض منها أنها تمثل نكتة سخيفة. ثم أكد كيري أمام عدد من الحضور أثناء المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا مؤخرا أن الولايات المتحدة أصبحت دولة «منبوذة دوليا».
وادّعى كيري الذي ظهر علناً في دافوس مع الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي «إننا عندما ننسحب من اتفاقية كيوتو ومن جهود مكافحة الاحتباس الحراري فإننا نتباطأ بشكل ينم عن عدم تحملنا المسؤولية في التحرك قدماً نحو مكافحة مرض الإيدز في أفريقيا. وعندما لا نستطيع أن نلتزم بمبادئنا وشعاراتنا فإننا نعطي رسالة بأننا منافقون ونكيل بمكيالين».
يمكن لكيري أن يتعلم قاعدة بسيطة في كيفية الحديث بلباقة تليق بكبار المسؤولين الأميركيين عندما يكونون بالخارج. هذه القاعدة تتلخص فيما يلي:
«قل الحقيقة بالكامل من دون تزويق أولي للحقائق».
من الواضح أن كيري كان يوجه نقده لإدارة بوش. ولكن واقع الأمر يشير إلى أن أميركا رفضت بروتوكول كيوتو ومعاهدة المناخ الدولية في 1997. فمنذ 10 أعوام رفض الرئيس السابق بيل كلينتون، بشكل ينم عن حكمة كبيرة من جانبه، إحالة المعاهدة إلى مجلس الشيوخ. وحتى هذا لم يكن كافيا لأعضاء مجلس الشيوخ الذين استشاطوا غضبا منها وقرروا التصويت ضد أية اتفاقية دولية للتحكم في مناخ العالم مثل اتفاقية كيوتو، التي كانت ستُستثنى منها الصين والهند وعدد آخر من الدول النامية. وكان كيري نفسه من ضمن الذين صوتوا ضد الاتفاقية في مفارقة واضحة لما يصفه هو نفسه الآن ب: «ازدواجية المعايير والنفاق».
كما لم تكن الولايات المتحدة «متباطئة بشكل يعكس إحساسا بعدم المسؤولية» وفقا لوصف كيري، فيما يتعلق بجهود مكافحة الإيدز في أفريقيا.ففي واقع الأمر خصصت إدارة بوش 4 مليارات دولار لمكافحة الإيدز في أفريقيا، أي ما يماثل ثلاثة أضعاف ما قدمته إدارة كلينتون. مثل هذا الكرم يستحق المدح وليس القدح.
إن النقد الذي يوجهه كيري يشبه بشكل مخيف ما يروجه تنظيم القاعدة. فكل من أسامة بن لادن وأيمن الظواهري قد أدعيا بشكل يخالف أي منطق أن اللامبالاة الأميركية بشأن كيوتو كانت تمثل عذرا جيدا لشن الحرب. وبأشكال مختلفة عديدة كان الاثنان يتهمان أميركا بنشر الإيدز وأصرّا على أن الولايات المتحدة هي دولة خارجة عن القانون الدولي. وعندما يستخدم كيري اتهامات مماثلة فإنه يشجع الدعاية المعادية المتشددة ويضعف موقف الولايات المتحدة في حرب ستحسمها بشكل كبير العزيمة التي هي نسبية تختلف من فرد إلى آخر.
ولم يقل كيري شيئا ينتقد به الرئيس الإيراني السابق بشأن انتهاك حكومته للاتفاقيات الدولية لحظر الانتشار النووي. كان يمكنه أن يبدي أسفه لتأييد طهران لحزب الله الذي يقوّض الديمقراطية في لبنان وكان يمكنه أيضا أن يعبر عن أسفه بسبب التغلغل العسكري الإيراني في العراق.
غير أن كيري لم يُطلق وصف «الدولة المنبوذة» إلا على وطنه. وعلى الرغم من ذلك، فإنك تجد أن أميركا لا تزال تعمل حاليا مع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة من أجل منع إيران من امتلاك أسلحة نووية. وقد حاربنا مع الناتو لحماية الديمقراطية في أفغانستان.
وضحينا بالمال والنفس في إطار تحالف دولي من أجل أن نقدم للعراقيين شيئا أفضل بكثير من الدكتاتورية والحكومات المتشددة.
و بسبب غضبه من الإدارة الحالية، فإن كيري لم يُخبر الحضور في دافوس أن الكونغرس الأميركي عبّر بأغلبية ساحقة من حزبيه عن عدم ثقته في بروتوكول كيوتو. وينسى كيري أنه هو وديمقراطيين آخرين في مجلسي النواب والشيوخ قد صوتوا بالموافقة على شن الحرب في أفغانستان والعراق.
ما هو إذا الأمر الذي يدفع كيري إلى قول تلك الأشياء القبيحة؟ كيري بالتأكيد لا يزال يشعر بجرح الهزيمة أمام منافس من المفترض أنه كان أقل تعليما ومكانة منه، وهو جورج بوش. ومن ثم فإنه شعر بأنه يجب عليه هو وبقية اليساريين من النخبويين أن يذّكروا نظراءهم الأوروبيين بأنه لا يزال هناك أميركيون من تكساس يمتازون بالرقي ولا ينتمون إلى المسيحيين المفرطين في الوطنية.
غير أن هذا في أفضل توصيف له لا يتعدى كونه تبلدا فكريا. إن إظهار عيوب أميركا من أجل كسب التصفيق أسهل بكثير من أن تمضي وقتا لتفسير طبيعة المبادئ الأخلاقية التي تلتزم بها الدولة وذلك أمام حضور يعبر دائما عن استهجانه لما تقول. إن حقيقة الأمر تشير إلى أن الولايات المتحدة لم تكن في تاريخها أكثر ثراء أو كرما مما هي عليه الآن. فقواتها العسكرية متفوقة دائما وتقوم بحماية حلفائنا الضعفاء وتقاتل التشدد الديني في الخارج. ويخاطر المهاجرون بحياتهم من أجل الوصول إلى شواطئنا.
غير أننا نكون في أزمة فكرية عندما لا يستطيع مرشح سابق للرئاسة، أو بالأحرى لا يريد، أن يصبر على تفسير هذا الأمر أمام العالم. فبدلا من ذلك يُضلل كيري، الذي يمثل الآن الوجه الأميركي القبيح في الخارج ـ يُضلل بدهاء مجموعة من الحضور ويقول لهم إن أميركا غدت «منبوذة» وهو حكم، بقدر ما
أصابنا بالحيرة، ينم أيضا عن غباء من جانبه.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص لــ: «البيان»
