ليس خافيا على اي مراقب ان كلا من الولايات المتحدة واسرائيل لم تنظر بعين الارتياح الى اتفاق مكة المكرمة وما تمخض عنه من تفاهم بين حركتي »فتح« و »حماس« على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية اولا وانهاء الاقتتال الداخلي الفلسطيني ثانيا، وقد كان التحفظ الذي ابدته الحكومة الاسرائيلية هو التوجه الذي اعقب الرفض الكامل للاتفاق الا ان هذه الحكومة لم تقطع شعرة معاوية ولم تنسف الجسور تاركة لجهات اخرى مهمة اعلان الحرب على اتفاق مكة ومحاولة تجاوزه وكأنه لم يوقع اصلا.
وفي حين اتخذ الاتحاد الاوروبي موقفا وسطا بهدف اعطاء فرصة للقيادة الفلسطينية لتشكيل حكومة يتحدد على اساس برنامجها السياسي قرار اوروبا بشأن استئناف مساعدتها للشعب الفلسطيني وفك الحصار الجائر المفروض عليه، فان الولايات المتحدة سارعت الى تلقف الكرة من اسرائيل واتخاذ مواقف تزايد على التوجهات المعلنة للحكومة الاسرائيلية بطريقة توحي بان واشنطن هي الجهة التي اعتمدت عليها اسرائيل لافشال اتفاق مكة ومحاولة انتزاع المزيد من التنازلات من حركة »حماس« علما بأن اتفاق مكة هو الحد الاقصى الممكن الذي يمكن لهذه الحركة تقديمه من المرونة والواقعية لارضاء الاسرة الدولية عامة واللجنة الرباعية على وجه الخصوص وتلبية مطالبها.
وكان قرار احدى لجان الكونغرس بتجميد معونة قررتها الادارة الاميركية للرئاسة الفلسطينية بقيمة 85 مليون دولار الدليل الاول على عدم رضا الولايات المتحدة عن اتفاق مكة وبالامس افادت مصادر فلسطينية مطلعة وبشكل قاطع ان واشنطن ستتجاهل او تقاطع اعضاء حكومة الوحدة الوطنية من حركتي »فتح« و»حماس« واذا اصبحت هذه التقارير التي لم تؤكد من مصادر رسمية اميركية فان الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني سيظل يراوح مكانه كما ان استئناف المسيرة السلمية اصبح في ظل الموقف الاميركي غير وارد في الوقت الراهن على الاقل.
ومن نافلة القول ان حركة »حماس« وقد وافقت في مكة على احترام الاتفاقيات السابقة الموقعة مع اسرائيل انما اعترفت بشكل ضمني بالدولة اليهودية وهو ما اعلنه رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل قبل انعقاد لقاء مكة بعدة ايام ولو كانت النوايا صادقة والتوجهات نحو السلام جدية لدى كل من اسرائيل والولايات المتحدة فان هذه التصريحات مدعومة باتفاق مكة هي اكثر من كافية لتغيير المواقف الاسرائيلية الاميركية. الا ان تصلب هذه المواقف اكثر فاكثر يدعو الى التساؤل بالفعل عن مدى اهتمام اسرائيل والولايات المتحدة باستئناف العملية السلمية حتى وفقا لما يعرف بخطة خريطة الطريق اذا لوحظت الممارسات الاسرائيلية الاخيرة على صعيد النشاطات الاستيطانية وتكثيف هدم المنازل الفلسطينية والشروع في الحفريات والتنقيبات على مقربة من المسجد الاقصى المبارك.
الولايات المتحدة هي راعية للعملية السلمية منذ انطلاقها اوائل التسعينات وليس من مواصفات الدولة الراعية ان تدخل في مزاد مع اسرائيل حول افشال لقاء مكة الذي يفترض ان يكون فرصة تاريخية لتقريب المواقف الفلسطينية والاسرائيلية والاميركية وليس دافعا لمزيد من الضغوط على حركتي »حماس« و»فتح« اللتين وقعتا هذا الاتفاق بعد جهود عسيرة ولكن بأمل وثقة ان يكون فاتحة تفاؤل واستبشار للفلسطينيين خاصة ولكافة الاطراف المتطلعة الى السلام العادل على وجه العموم.