يتابع جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين الموقف في لبنان بكثير من الاهتمام والقلق على مستقبل الشعب اللبناني الشقيق وذلك منذ أن ظهرت بوادر الخلاف بين ما يعرف اليوم بفريق الموالاة وفريق المعارضة حيث يحشد كل طرف جمهورا كبيرا من الناس على خلفية المحكمة الدولية وحكومة الوفاق الوطني وما تخلل ذلك من اغتيالات وتفجيرات ومصادمات مؤسفة .

وكان جلالته في مقدمة الداعين إلى ضرورة إزالة كل اشكال التوتر والتصعيد لمنح جهود الوساطة والمصالحة الفرصة التي تستحقها لتجنيب لبنان شرور الحرب الأهلية التي سبق وأن عرفها ودفع ثمنها غاليا على كل الصعد.

ولعل الاتصال الهاتفي الذي جرى بين جلالة الملك ورئيس الوزراء اللبناني السيد فؤاد السنيورة وما سبقه من محادثات معمقة جرت في عمان مؤخرا تعكس إلى حد بعيد طبيعة المشاورات الجارية على أعلى مستوى بهدف تهدئة الأجواء السياسية وإفساح المجال لمزيد من المبادرات العربية والإقليمية ، للتوصل إلى حلول ترضي جميع الأطراف .

في هذه المرحلة الحساسة يأتي حرص الرئيس السنيورة على وضع جلالة الملك في صورة الموقف الراهن موازيا للتقدير الذي يريد أن يعبر عنه اللبنانيون لجلالته على مواقفه المخلصة تجاه الشعب اللبناني ومصالح لبنان وأمنه واستقراره .

وهي مواقف منحازة لذلك الشعب الشقيق بجميع أطيافه وفئاته ، دون التدخل في الشؤون الخاصة للبنانيين الذين يستطيعون وحدهم التفاهم على حلها على اسس من التوافق الذي يدركون عناصره أكثر من غيرهم.

ولكن في المقابل لا يمكن غض النظر عن الحقائق الإقليمية والقومية التي تدلنا على أن الأمن الإقليمي كل لا يتجزأ ، وما ينطبق على لبنان ينطبق على العراق وفلسطين وبقية الدول العربية التي تتأثر وتؤثر ببعضها البعض ، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأمن والاستقرار ، وهذه مسألة يعرفها الأخوة في لبنان مثلما نعرفها نحن في الأردن .

أي أن الاهتمام العربي بشؤونهم يعادل اهتمامهم بشؤون أشقائهم في انحاء الوطن العربي ، على أن الهدف الرئيسي هو المساعدة على حل الأزمات السياسية عن طريق الحوار السلمي ، وتقديم المساعدات اللازمة للشعوب التي تتضرر بسبب تلك الأزمات ، والأمثلة على ذلك كثيرة ومعروفة.

ونحن في الأردن لا نتأثر بردود الأفعال التي تصدر عن الأطراف التي تلجأ للتصعيد أو العنف من أجل تثبيت مصالحها المعزولة عن المصلحة العامة الوطنية أو القومية ، لأننا لسنا جزءا من أي صراع داخلي في أي بلد ، وإنما ننظر إلى الجانب المنطقي من المعادلة ، ونقدم النصحية ونسعى إلى تحقيق الوئام بين أبناء الشعب الواحد معتبرين أن الوحدة الوطنية في أي قطر عربي هي خط أحمر لا يجوز المساس به مهما كان حجم الخلافات أو مبرراتها .

ما نأمله بكل صراحة ووضوح هو إعطاء الفرصة دائما لتسوية الخلافات عن طريق الحوار الصادق ، وحين ينقطع ذلك الحوار بين الأطراف المعنية فإن التدخل النزيه من الأشقاء هو واجب مرحب به ، وقد أثبتت التجارب نجاح ذلك التدخل الحميد غالبا الأمر الذي عرفه لبنان من خلال اتفاق الطائف وعرفه الفلسطينيون من خلال اتفاق مكة المكرمة .

وما سيعرفه العراقيون آجلا أم عاجلا ، فتلك هي من مسؤولياتنا القومية ، التي يبادر الأردن دائما إلى تحملها وبالتعاون والتنسيق مع اشقائه العرب وصولا إلى بر الأمان الذي نأمل أن يصل إليه الشعب اللبناني في القريب العاجل .