فتح مفهوم الشرق الأوسط الجديد الذي روجت له وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس، بينما كانت إسرائيل تشن حربها على لبنان في يوليو من العام الماضي، شهية دول في المنطقة، كانت إلى فترة بعيدة، بعيدة عن اهتمامات المنطقة وتفتش عن موطئ قدم لها في أماكن أخرى. تربطها روابط جغرافية، إلى العودة إلى الشرق الأوسط علَّها تعوض ما فاتها في السابق، وتنتقم ممن يمنعها دخول عالم جديد.
والحالة هذه تنطبق على تركيا التي كانت إلى فترة سابقة حارس المنطقة، مما سمي المد الشيوعي إلى المنطقة، وتلاشى دورها مع سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار النظرية الشيوعية.
وبغض النظر عمن يحكم تركيا، فإن الأحلام هي نفسها، لأن الحاكم الفعلي في أنقرة هو الجيش، وما السياسيون إلا واجهة له، وإن تغيرت أو تبدلت اتجاهاتهم السياسية.
فالمعركة ضد الأكراد في هضبة الأناضول لم تتوقف في ظل حكم العلمانيين، ولا هي توقفت في ظل حكم الإسلاميين، كما أن التوجه لدخول الاتحاد الأوروبي امتد على مر الحكام، وما زال حتى اليوم، كما أن العلاقة مع إسرائيل لم تدفع بقادة حزب العدالة والتنمية، بزعامة رجب طيب أردوغان الذي هو الوريث الشرعي لحزب الرفاه الذي أسسه نجم الدين أربكان رئيس وزراء تركيا الأسبق، إلى قطع هذه العلاقة القديمة، والتي عايشت كل العهود التي مرت على تركيا الحديثة.
لا، بل فإن قادة حزب العدالة والتنمية الذين يمسكون بالسياسة التركية حالياً، يفتحون أذرعتهم لاستقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، ويعقدون الصفقات العسكرية والتسلحية مع إسرائيل، ولا يتوانون عن فتح أراضيهم وأجوائهم للقوات الأميركية خلال احتلالها العراق.
إن الحنين إلى الشرق والعودة إلى عز الإمبراطورية العثمانية، ليس بالتخلي عن الثوابت الإسلامية، فتركيا مقبولة في المنطقة وهي كذلك، اقتصادياً واجتماعياً، وحتى تكون مقبولة سياسياً، فعليها أن تكون منسجمة في أفكارها سواء التي انطلقت من مفاهيم إسلامية أو علمانية، وعدم إقصاء أي طرف من المعادلة السياسية، والاعتراف بحق التيارات المختلفة في التعبير، ومواجهة الولايات المتحدة أو الاختلاف معها في الواقع وليس في الشعارات.
الشرق الأوسط الجديد الذي نادت به رايس، سقط أولاً في العراق ومن ثم في لبنان، وعلى الأطراف الفاعلة في المنطقة الابتعاد عن المفاهيم الأمريكية التي لم تقدم سوى الدمار، ابتداء من أفغانستان، وانتهاء بالعراق.