هل كنا نفرط في التفاؤل حين علقنا آمالنا على إمكانية توصل الأطراف اللبنانية إلى اتفاق ينهي حالة الجمود السياسي التي يعيشها لبنان منذ أكثر من شهرين؟ وهل كنا نراهن عبثا على تقليص هوة الخلافات السياسية التي تعبث بلبنان منذ أكثر من عامين والتي أشعلتها أحداث دموية وقرارات دولية وتغييرات في السياسات الدولية والإقليمية؟
كان «لقاء مكة» قد أشاع حالة من التفاؤل بين اللبنانيين وشكل مصدر ارتياح واسع بينهم، بل ذهبت بعض الصحف اللبنانية إلى الحديث عن إمكانية الخروج باتفاق مشابه يسمح بالخروج من النفق المظلم الذي وصلت إليه سياسة شد الحبال التي تمارسها الأطراف منذ أكثر من شهرين، كما تحدثت عن توجهات إقليمية للتهدئة وسعي حثيث لإنجاح القمة العربية التي تستضيفها السعودية في 28 مارس.
وكانت المعطيات ايجابية وتشير إلى حل ممكن خلال فترة قريبة، وهذا ما عبرت عنه جهات محلية، بالإضافة إلى جهات خارجية بينها السعودية وإيران وفرنسا، وأشار رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة إلى أن الكل مهتم بحل الأزمة في لبنان داعيا إلى نبذ التصريحات النارية والعمل على إعادة إحياء الحوار للتوصل إلى حلول لبنانية تستفيد من الدعم العربي والأوروبي في هذا الإطار، كما شكلت لقاءات رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس «كتلة المستقبل النائب سعد الحريري كسرا للقطيعة وتبريدا للأجواء المحتقنة.
وكانت أنظار اللبنانيين متوجهة في بيروت من السعودية إلى إيران إلى روسيا فسوريا بأمل أن تأتي الجولات المكوكية إلى مخارج مقبولة.
فهل كان اللبنانيون يتعلقون بحبال الهواء عندما وضعوا آمالا كبيرة على هذه التحركات؟ قد يبدو الأمر كذلك خصوصا وان بوادر تغيير في السياسات الدولية لم يكن واردا وأطراف الصراع ما زالت نفسها ومواقف الأطراف الخارجية واضحة المعالم لا لبس فيها، والفيتو الأميركي في المنطقة ما زال ساري المفعول.
وإذا كان لقاء مكة قد أعطى أملا للبعض بإمكانية إحداث اختراق ما في الاستراتيجية العامة، فهذا الحدث على ما يبدو لا يصنع السياسة والتهدئة لا تعني الحل بل قد تعني مجرد التهدئة بانتظار مستجدات، من يدري؛ قد تكون انفجارا أو حربا جديدة أو تدخلا أجنبيا مباشرا، وهذا ما تحذر منه تصريحات العديد من المسؤولين.
الغيوم تتلبد مجددا فوق لبنان وانفجار بكفيا الأخير باستهدافه المدنيين رسالة للترهيب مفادها أن هناك من هو مستعد للذهاب إلى الحد الأقصى في عرقنة لبنان وتدميره.
لبنان كان دوما مركزا للتجاذبات الدولية والإقليمية، والمتداول حاليا على الساحة اللبنانية انه إذا كانت الأطراف الداخلية غير قادرة على إيجاد حل للأزمة المتفاقمة والتي كادت أن تصل إلى انفجار كامل نهار الخميس الدامي، فلا بد من انتظار حلول من الخارج، لكن تشير المعطيات انه في الوقت الذي يزداد الاعتماد على الحلول الخارجية يتبين كم هي محدودة هذه الحلول.
ويترافق هذا الأمر مع عودة الحديث عن ما يشبه الحرب الباردة في المنطقة بعد التصريحات النارية للرئيس الروسي بوتين ضد سياسة الولايات المتحدة قبل يوم من توجهه إلى منطقة الشرق الأوسط، أولى ساحات هذه الحرب في العالم حيث وجه فيها اتهاما مباشرا لسياسة الولايات المتحدة في العالم مشيرا إلى أنها تسهم في تعميق الأزمات وتشكل خطرا على المجتمع الدولي.
لقد مر لبنان بظروف على درجة من الخطورة والصعوبة خلال تاريخه وعاش التجاذبات السياسية وكان باب قوسين من انفراطه إلى كانتونات طائفية ومناطق متقطعة الأوصال ومتعددة الانتماءات، ثم أعادت ظروف دولية إقليمية لحمته وخرج من الحرب موحدا باتفاق الطائف الذي رعته المملكة العربية السعودية، الآن الأوضاع الدولية والإقليمية قد اختلفت وشروطها لم تعد متوفرة كما في السابق، لكن في المقابل تجربة الحرب الأهلية ما زالت ماثلة في أذهان اللبنانيين وهم لا يريدون العودة إلى تجربة مماثلة كانت مدمرة لهم على مختلف المستويات، وقد بدأوا يعبرون عن ذلك في مظاهرات رافضة للحروب الأهلية.
فهل يعود المسؤولون اللبنانيون إلى البحث عن حلول داخلية تحفظ وحدة البلاد وتحول دون تفجير الأوضاع مجددا والتي يعي أبعادها كل لبناني؟. إن باب التفاؤل يعود إلى من بيده الحل، فهل هو متوفر اليوم في لبنان، وهل التفاؤل في ظل حالة الانقسام الحادة التي يعيشها الوطن والتي تأخذ أبعادا سياسية تتعدى مساحة الوطن وأبعادا طائفية تضيق من مساحته هو مجرد أوهام بأوهام؟ وكأننا كلما أملنا خيرا تعيدنا الوقائع إلى رشدنا، بأن الأمور أصعب مما تبدو عليه.