بعد مخاوف من تأجيل تطبيق اتفاق مكة المكرمة، حدث الانفراج المأمول، وتقدم إسماعيل هنية رئيس الحكومة الفلسطينية باستقالة حكومته، وتم تكليفه من جانب الرئيس الفلسطيني محمود عباس بتشكيل حكومة جديدة، حكومة الوحدة الوطنية التي تم الاتفاق عليها في مكة المكرمة. وهذا يعني أنه تم تذليل أكثر الصعاب التي كان يخشى منها عند تطبيق اتفاق الوصول إلى حكومة وحدة وطنية.
أمام هذه الحكومة الجديدة تحديات كثيرة:
أولا: فك الحصار عن الشعب الفلسطيني، وبالتالي إنهاء المعاناة المعيشية اليومية، كي تعود للقضية الفلسطينية واجهتها السياسية أمام العالم باعتبارها قضية أرض محتلة وشعب يتطلع إلى تحقيق الاستقلال وإقامة دولته الوطنية على أرضه، وليست قضية شعب يعاني الحصار، وهو ما حاولت إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة إعلاءه منذ تولي حماس مهام الحكومة.
ثاني تلك القضايا حل معضلة الأمن وإنهاء الفوضى الأمنية التي عانت منها الساحة الفلسطينية خلال الفترة الماضية، بسبب فوضى السلاح، ضمانا لحقن الدماء الفلسطينية وعودة الاستقرار.
ثالث الأهداف هو مقاومة الفساد المستشري في الأجهزة والهيئات منذ حكومات فتح المتتالية.
هذا على صعيد الداخل أما على صعيد تقاطع الداخل مع الخارج، فمن المهم وقف الاستقطاب والتدخلات الدولية والإقليمية في الداخل الفلسطيني عبر تأسيس علاقات وآليات تفاهم داخلية قوية، إلى جانب صد كل محاولات الخارج للتدخل في شأن الفلسطيني الداخلي.
وفي حالة الوصول إلى نقطة التوازن هذه باستطاعة الحكومة الانطلاق من أرض صلبة في تأسيس علاقات صحيحة عربياً وإقليمياً ودولياً خاصة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وذلك لنسف المزاعم الأميركية الأوروبية الإسرائيلية بعدم وجود شريك فلسطيني قوي قادر على الدخول في مفاوضات سياسية تقود إلى قيام الدولة الفلسطينية المنشودة، وذلك دون الخضوع للابتزاز السياسي والاقتصادي الذي احترفته عواصم الغرب.
والأهم من ذلك كله يجب على كل أطراف الحكومة الجديدة مهما اختلفت ألوانهم السياسية الوصول إلى صيغة تتوافق فيها مفاوضات السلام (إن تمت) مع المقاومة المشروعة للاحتلال الإسرائيلي.
إن استقالة حكومة والاتفاق على تشكيل حكومة جديدة على أرضية الوحدة الوطنية لا يعني أن كل الأمور استقرت وانتهت العراقيل. لأن تشكيل الحكومة قد يصاحبه بعض من ذلك، بل إن الخلافات قد تستمر وتتنوع مع بدء وممارسة الحكومة لمسؤوليتها، وذلك ليس عيباً، فالمهم امتلاك آليات متفق عليها لحل المشكلات والوصول إلى توافقات مرضية. وذلك وفق الروح الأخوية التي أنجزت اتفاق مكة المكرمة، وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الحكومة الجديدة.
وفي السياق العربي العام تعتبر حكومة الوحدة الفلسطينية انفراجة كبرى تبشر بإمكانية حدوث انفراجات عربية أخرى في لبنان والعراق. إذا أحسن العرب التدخل بتلك الروح التي اتسمت بها أجواء اتفاق مكة المكرمة، وهو ما يتطلب من العرب بذل كل الجهود والمساعي لنجاح الحكومة الفلسطينية في أداء مهامها، ورفض ومقاومة أية محاولات أميركية أو إسرائيلية لحصارها. إن الانفراج الفلسطيني قد يقود إلى انفراج مماثل في لبنان أولاً، وإذا ما انفرج الحال في لبنان فليس العراق عصياً على الوصول لتوافق مماثل كبداية لإنهاء الاحتلال، وهذا ممكن مهما كان الطريق شاقاً والدرب شائكاً.