لو فتحنا كتاب التاريخ العربي منذ عهد الفتنة الكبرى إلى اليوم لتأكد لدينا بما لا ريب فيه أن أبواب الهزيمة والحرب الأهلية والتخلف والاستعمار وفقدان الفتوحات كانت جميعها بدون استثناء ثمرة مرة مسمومة من ثمار الطائفية والفتنة. فأي جبار مارد نحرره هذه الأيام من القمقم لينطلق بلا رحمة يسفك دماءنا ويستحل أمننا ويشرد أطفالنا حين يدب شيطان الفرقة والشقاق بين المرء وأخيه والعربي وذويه وينسى الناس أنهم يدينون بالله الواحد وأنهم أبناء وطن واحد وأن مصيرهم واحد، وبالتالي فإن العدو المتربص بهم واحد وإن اللهب الذي سيحرقهم واحد ! بلى إن المخططات الجهنمية الامبريالية والصهيونية وراء إذكاء الفتنة، لكن ذلك لا ينفي مسؤولية العرب فيما يقع بينهم.

لقد بدأنا نرى بصيص النور في آخر النفق في الملف الفلسطيني، وبارك الله في جهد خادم الحرمين الشريفين على ما قدمه من عمل صالح لشعب فلسطين حين جلس الأخوة واتفقوا على الخروج من النفق المظلم، ولعل تخطيط سلطات الاحتلال الإسرائيلية لتهديم جزء من الأقصى الشريف ساعد على الصحوة ودفع باتجاه اليقظة وجمع الصف ووحد الكلمة، لكن الذي جرى من أحداث مؤلمة خلال الأسابيع الأخيرة وهدر الدم الفلسطيني لابد أن يكون مبعث اعتبار وأن لا يتكرر أبدا.

فالتجويع الذي فرضه الغرب على فلسطين بنية التركيع، له الدور الحاسم في بذر بذور الاحتراب بين الأخوة حاملي القضية الواحدة ولكن من الذي فتح الباب بيديه للغازي المتربص ومن ساعده في الليل على اقتحام البيت الفلسطيني؟ هم أبناء الفصائل التي اعتقد كل فصيل منها أنه يحتكر الشرعية ويتكلم باسم الشعب ويستطيع أن يهزم الأحزاب وحده. هم أيضا أولئك المؤتمنون على مصير الناس الطيبين في غزة والخليل ونابلس ورام الله الذين ركبوا رؤوسهم قبل أن يركبوا المصفحات واستهدفوا المنافس الوطني وأداروا نحوه السلاح الذي يحرم استعماله سوى للدفاع عن الأرض والعرض واستعادة الوطن السليب.

هم كذلك العائدون من تونس ومن بيروت ومن دمشق وعمان ومن المنافي لاعمار فلسطين وبناء دولتها بالصبر والحكمة والنضال. ونحن نأمل ـ كالعرب والمسلمين جميعا ـ أن يكون اللقاء المكي على مسافة قريبة من الحرم المقدس قد أعاد الرشد وأرجع البصيرة ووضع أمام الأخوة في الدين والوطن جدول الأولويات الحقيقي وعلى رأسها الوفاق ونبذ الشقاق واستعادة العافية رغم الأزمة المؤلمة وسوء الحال الأمني والاقتصادي وقلة السند وضيق العيش، فان معادن الرجال تقاس على محك المحن وتجرب في الطرقات الوعرة.

و في العراق لا بد من تجاوز التقسيم الطائفي والمذهبي مهما حاول الدخلاء إذكاءه لأن بغداد بذاتها تحمل رسالة التاريخ العربي والإسلامي في أزهى عصوره العباسية حيث كانت منارة العالم كله بالأمجاد العربية والترجمة الإغريقية والعلوم الإسلامية، وكانت ملتقى ما نسميه اليوم بحوار الحضارات وتلاقح الثقافات وكعبة العلماء ومورد الحكماء، إلى أن غزاها المغول في فبراير 1258 بقيادة هولاكو وقتلوا آخر خلفاء الدولة العباسية المستعصم بالله وابنيه الاثنين حينما تهاوى الصرح الشامخ بالانقسامات وعمت العراق بوادر البغضاء والشحناء بين أبناء الوطن والمؤتمنين على الخلافة، كما ذكر الطقطقي في كتابه(الفخري للآداب) عن هذه المأساة، التي لم نستخلص عبرها ولم نفد من دروسها.

حيث نسينا أن الدرس القاسي لذلك الحدث الجلل هو أن المغول حين استولوا على بغداد واصلوا طريقهم نحو الشام فدخلوا غزاة محتلين إلى دمشق في مارس من سنة 1260 بقيادة(كتبغا) بعد أن استباحوا مدينة حلب في يناير من نفس العام، وعم البلاء كما قال الطقطقي حتى وصل أثر ذلك للمغرب الإسلامي حين أمر حاكم تونس المستنصر بالله بقتل العالم الجليل والمؤرخ الكبير ابن الأبار صاحب كتاب الحلة السيراء وبحرق جثمانه وكتبه، وهو ما فتح أبواب الصراع المرير الدموي بين أصحاب الأمر وأصحاب الفكر، ذلك الصراع الذي نرى له اليوم امتدادات غريبة في قتل العلماء وأساتذة الجامعات العراقيين.

إن الأمة على مفترق طرقات عسيرة، ولا بد أن نقرأ تاريخها لنهيئ مستقبلها، فالعالم لا يسمع المتفرقين ولا يقيم وزنا للمتناحرين، بل إن العالم أنشأ الرباعية ما بين مختلفين ليواجه أزماتنا العربية، لأن الرباعية تضم في إستراتيجيتها كلا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا ومنظمة الأمم المتحدة، ولا شيء يجمع بين هؤلاء الشركاء في الواقع، لكنهم إذا ما أرادوا حل مشاكلنا والتصدي لمأساتنا فإنهم يتحدون ويصبحون باتحادهم قوة أمام ضعفنا ويتحولون إلى جبهة أمام شتاتنا.

ألم تدق ساعة الحقيقة فنتجاوز الطائفية المقيتة ونعلن للعالم بأننا أمة فيعاملنا كذلك.

كاتب تونسي

alqadidi@hotmail.com