القنبلة الذرية الأولى في التاريخ التي أسقطتها طائرة عسكرية أميركية في عام 1945، فوق مدينة هيروشيما اليابانية قتلت على الفور 70 ألف نسمة ووضعت بذلك نهاية حاسمة ودراماتيكية للحرب العالمية الثانية.

آنذاك استولى هاجس رعب على الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين رغم أن الاتحاد السوفييتي كان جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة عضوا في فريق «الحلفاء» الذين نفذت واشنطن باسمهم ونيابة عنهم ضربتها الذرية مما اضطر اليابان إلى الاستسلام غير المشروط لمجموعة الحلفاء.

لقد تساءل ستالين حينئذ: ما الذي يمنع الولايات المتحدة من استخدام هذا السلاح الفتاك مستقبلا ضد الاتحاد السوفييتي؟

من هنا بدأت ظاهرة ما يطلق عليه «سباق التسلح»، على الفور أمر الرئيس السوفييتي بوضع وتنفيذ برنامج لتصنيع سلاح ذري. وبعد أن تمكن الاتحاد السوفييتي من تحقيق تعادل نووي مع الولايات المتحدة تصاعد التسابق في بناء ترسانات نووية.. وأخذت حدة التسابق تتصاعد إلى ما لا نهاية فانتقل التنافس إلى تصنيع الصواريخ عابرة القارات والصواريخ حاملة الرؤوس النووية والصواريخ المضادة للصواريخ وتجهيزات «حرب النجوم» الخ.

شاهد القول أنه الآن وبعد زوال الاتحاد السوفييتي يأتي زعيم لروسيا كخليفة لستالين يتبنى توجها هو النقيض الكامل لتوجه سلفه السوفييتي في أسلوب التعامل مع الخصم الدولي الأكبر.. الولايات المتحدة.

فلاديمير بوتين وضع الآن سياسة دولية لروسيا أساسها نبذ المشاركة في سباق التسلح. وهذا تحول ليس بدون منطق.

من تجربة انهيار الاتحاد السوفييتي عند مطلع تسعينات القرن المنصرم خرج بوتين كما يبدو باستخلاصين:

أولا: أنه عند مستوى ما يصبح سباق التسلح عبثا بلا معنى، وهذا المستوى يتمثل في تملك كل من القوتين الدوليتين، روسيا والولايات المتحدة، وغيرهما ترسانة تحوي عددا ضخما من القاذفات النووية المتنوعة ووسائل تحميلها وإطلاقها بحيث يدرك كل من الجانبين أنه ليس بوسعه تدمير الطرف الآخر بصورة شاملة دون أن يتلقى ردا بنفس القوة التدميرية الشاملة. وإذن تكون النتيجة صفرا لكل من الطرفين من خلال العدوان والرد عليه، وإذن يكون سباق التسلح لمرحلة ما بعد تملك الترسانات النووية ظاهرة بلا معنى.

ثانيا: أن أحد أقوى العوامل التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفييتي هو الوهن الاقتصادي البنيوي الذي أصاب هذه القوة العظمى.. وأن أهم مسببات هذا الوهن هو الكلفة الأسطورية المتضاعفة والمتصاعدة بمتوالية هندسية التي كان يتكبدها الاقتصاد الوطني للوفاء بالمتطلبات المتجددة والمتصاعدة لمجاراة الخصم الدولي في عملية سباق التسلح.

في ضوء هذين الاستخلاصين يبدو أن بوتين توصل إلى قناعة بأن تتبنى روسيا النهج الصيني في ساحة التنافس الدولي.. أي السباق الاقتصادي عوضا عن سباق التسلح.

ومما يعزز من هذه القناعة أن روسيا ترى كما يرى العالم بأسره كيف صعدت الصين وتصعد من مستوى عالمثالثي إلى مستوى قوى عظمى اعتمادا على نهج السباق الاقتصادي.

ومن الناحية العملية لم تعد روسيا أصلا بحاجة إلى المزيد من التسلح النوعي. فالترسانة النووية التي ورثتها عن الاتحاد السوفييتي تكفي لتدمير كوكب الأرض بأكمله.