مضمون اتفاق مكة المكرمة لم يكن جديداً، فالتفاصيل المعلنة سبق أن تمت مناقشتها سابقاً سواء في غزة أو في دمشق وأشبعت بحثاً. وعندما توجه وفد من حماس وفتح إلى مكة المكرمة كانوا متأكدين من أن الإعلان عن الاتفاق ممكن ولهذا اتسمت تصريحاتهم بالتفاؤل واليقين من عدم الفشل.
وكانت القيادة السعودية على ثقة من ذلك حتى ان الأميركيين وصلتهم معلومات من السعودية مفادها ان الاتفاق لن يتضمن اعترافاً مباشراً بإسرائيل وأنه سيتضمن كلمة احترام الاتفاقيات وليس الالتزام وأنها، أي السعودية مصممة على فك الحصار عن الشعب الفلسطيني وحكومته المرتقبة حتى لو اقتصر الأمر عليها.
فالجديد في اتفاق مكة هو المظلة السياسية التي وفرتها الرياض لهذا الاتفاق وقدرتها على حمايته وضمانه وتسويقه دولياً. اذاً لم يكن متوقعاً من قادة فلسطينيين وهم يطلون من شرفات قصر الصفاء على الكعبة المشرفة أن يعلنوا من الحرم المكي اعترافهم المباشر بإسرائيل التي لم تعترف بهم عملياً حتى الآن ولا بدولتهم الموعودة.
اتفاق مكة هو الحل الوسط الذي يمكن تسويقه دولياً وهو يخلق مشكلة معقدة بالنسبة للأميركيين والإسرائيليين. فالحكومة عملياً ليست ذات أغلبية حمساوية لأن حماس لها أقل من نصف الحقائب الوزارية، وكذلك فإن اختيار ثلاثة مستقلين لوزارات سيادية وهي المالية والخارجية والداخلية اسقط أية ادعاءات أميركية أو إسرائيلية ضد الحكومة.
فوزير المالية المقترح سلام فياض مقرب جداً من الإدارة الأميركية والغرب وكذلك فإن وزير الخارجية زياد أبو عمرو خريج الجامعات الأميركية وهو سياسي معتدل شغل منصباً وزارياً في حكومة محمود عباس إبان عهد ياسر عرفات وخاض الانتخابات البرلمانية كمستقل مدعوماً من حركة حماس. فيما ستذهب حقيبة الداخلية إلى عسكري نزيه تتوافق عليه حماس وفتح.
إذاً ستجد واشنطن وتل أبيب صعوبة في معارضة هذه الحكومة وحتى اللجنة الرباعية التي سبق ووضعت شروطاً على الحكومة المرتقبة مقابل فك الحصار فإنها لم تعد موحدة حيث ان أوروبا وروسيا سئمتا من المعارضة الأميركية الإسرائيلية للحكومة الفلسطينية وكانتا على وشك التعامل مباشرة معها حتى لو لم تتشكل حكومة وحدة وطنية. فكيف سيكون الأمر مع تشكيل حكومة وحدة وطنية؟
ولعل اللقاء المرتقب الذي خططت له وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود اولمرت في العشرين من الشهر الجاري سيكون الاختبار من قبل الفلسطينيين للاتفاق لدى الإسرائيليين والأميركيين، فالاتفاق عملياً أطلق يد الرئيس عباس للتحرك سياسياً وتخطط رايس لأن يكون اللقاء متتالياً أي ليس لمجرد اللقاء لمرة واحدة. وثمة قناة خلفية تعمل في واشنطن وأوروبا بين الفلسطينيين والإسرائيليين والأميركيين لإنجاح لقاء القمة هذا وسيذهب الرئيس عباس مسلحاً باتفاق مكة الذي نص على احترام الاتفاقات وليس الالتزام بها.
وهو أقصى ما يمكن أن تتعهد به أي حكومة فلسطينية ائتلافية، إذ ثمة تصميم أميركي على دفع العملية التفاوضية لأسباب كثيرة يقول الأميركيون إنه ليس لها علاقة بالوضع المتأزم في العراق أو الوضع مع إيران لكن الوقائع تؤكد عكس ذلك، فالإدارة الأميركية راغبة في دفع العملية التفاوضية على المسار الفلسطيني بغية إرضاء معسكر الاعتدال العربي الذي ضاق ذرعاً بالسياسة الأميركية التي نجحت حتى وقت قريب في تشتيت أنظاره نحو العراق وإيران وهمشت القضية الفلسطينية. فالتهدئة على الجبهة الفلسطينية صارت مطلباً أميركياً خاصة في ظل التصعيد الأميركي تجاه إيران.
كما انها مطلب إسرائيلي بعد أن فشل الإسرائيليون في غزة ووقف تساقط الصواريخ على البلدات المحاذية لقطاع غزة. فرئيس الوزراء الإسرائيلي الذي مني بهزيمة عسكرية في لبنان وفشل في غزة، ويواجه معضلة سياسية داخلية واتهامات بالفساد جعلته الأقل شعبية في تاريخ إسرائيل يحتاج الى رافعة سياسية لإنزاله من على الشجرة.
وسيجدها في إعادة وضع خارطة الطريق على طاولة المفاوضات. لكن كل هذا يتوقف على مدى قدرة الحكومة الفلسطينية المرتقبة على تنفيذ اتفاق مكة نصاً وروحاً لأن ثمة مهمات صعبة تنتظرها خاصة في غزة، فإعادة فرض القانون ووقف الفلتان الأمني وتفعيل الأجهزة الأمنية وتوحيد السلاح ونزع سلاح المجموعات المسلحة لا يبدو أمراً سهلاً ويحتاج إلى تحالف حقيقي بين حماس وفتح للقضاء على فوضى السلاح مهما كان الثمن.
رئيس تحرير«الحياة الجديدة» فلسطين
