اتسم خطاب صاحبة السمو الشيخة موزة بنت ناصر المسند في المعهد الملكي البريطاني حول حوار الحضارات، بالعمق والحكمة والدقة والموضوعية، حيث تناولت موضوع بناء جسور من التفاهم بين الإسلام والغرب، بجرأة وصراحة متناهية وضعت فيها النقاط على الحروف وشخصت الداء وحددت الدواء، دون مواربة أو مجاملة.

لقد خاطبت سموها العقل الغربي، بثقافة شرقية رفيعة المستوى، بعيداً عن الشعارات الرنانة، والجمل المنمقة، فأوضحت الحقائق، وكشفت مكامن الخلل وأسباب المشكلة وحملت المسؤولية لمن يستحق المسؤولية عن أزمة صدام الحضارات.

كما استندت سموها في خطابها إلى التفكير النقدي والابتكاري في تحليل الأخطاء والفرضيات والنتائج، وصولاً للتطوير وبناء واقع بديل.

ولهذا أسهبت سموها في عرض واقع العلاقات بين الحضارتين الإسلامية والأوروبية على مدى الألف وأربعمائة عام الماضية، وكيف كان التفاعل في المواجهات العنيفة أو في حركة التبادل التجاري، مشيرة إلى أن العقل الأوروبي احترم براعة وأخلاق المسلمين في القتال، حيث قال فولتير: لم يحدث أبداً أن صلاح الدين اضطهد أي شخص بسبب دينه، فقد كان محارباً إنساناً وفيلسوفاً في آن واحد.

كانت سموها عميقة في الوصف، جريئة في تشخيص مسؤولية الغرب إزاء صدام الحضارات، مذكّرة بالندوب التي تركها الاستعمار الأوروبي في الذاكرة العربية، وكيف أدى رسم خرائط جديدة لكياننا السياسي والجغرافي، إلى خلق انقسامات ماتزال موجودة حتى يومنا هذا، وكذلك كيف أدى عطش الغرب لموارد طاقتنا إلى دعم نظم حكم استبدادية لضمان تدفق البترول.

أما مفهوم العنف السياسي فقد تناولته سموها بطريقة غير مسبوقة مستحضرة الواقع الماثل أمامنا في هذا العصر لتقول إن العنف السياسي لايقوم به أفراد فقط أو جماعات، إنما تمارسه دول بممارسات غير مشروعة ضد بعضها البعض وضد مواطنيها، ثم جاهرت سموها بما هو أبلغ من ذلك بكثير، حينما قالت إن العنف السياسي لايعني إراقة الدماء بل يكمن في تدمير مجتمع بواسطة العقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية.

وفي سياق عرضها لمشكلة الأخلاقيات، نددت سموها بالعلمانية العدائىة التي لاتحترم عقائد وقيم الآخرين، داعية إلى استبدال الغطرسة بأخلاقيات عالمية مبدعة متفق عليها من المجتمعات الدينية والعلمانية.

وكان لابد لهذا التوصيف الدقيق للمشكلة بين الشرق والغرب، أن ينتهي بحلول عميقة، فكانت رؤية سموها لمنهج ثلاثي الأبعاد هو الشباب والإصلاح والتعليم، المستند إلى اليقظة المتبادلة للخروج من صدام الحضارات، والانتقال إلى صفحة جديدة لحوار الحضارات يضعها جيل المستقبل.