«الأذن تعشق قبل العين أحياناً» عبارة كنا نرددها قبل أن نحظى بفرصة لقاء سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، فما سمعناه عنها وما قرأناه جعل لها في نفوسنا من الحب والتقدير ما لا نكنه إلا لأم نؤمن بأن الجنة تحت قدميها. عندما التقينا سموها في اليوم التاريخي الذي انطلقت فيه مسيرة عمل المرأة الإماراتية تحت قبة البرلمان كأول مشاركة نسائية في تاريخ الإمارات، شعرنا بأن ما سمعناه عن سموها وما تابعناه من أخبار انجازاتها اكبر من أن نكتب أو نعبر عنه.

الصورة التي مازالت تحضرني هي صورة المرأة الخليجية التي تسعى لأن تقدم نفسها للعالم بما يشرف منطقتها. قد يعتقد البعض أن الزيارة كانت في إطار الزيارات الرسمية التي تقتلها الأصول البروتوكولية، لكن الواقع الذي شاهدناه وعشناه طوال الساعتين جعلنا نشعر أننا في حضرة أمنا.

ذكرتنا سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك بالنساء اللاتي يجمعن بين الإدارة والقيادة وجميل الخلق الذي يذكر بأصول غابت اليوم عن كثير من السيدات. النساء اللاتي يتفقدن كل ضيف على حدة وكأنه الضيف الوحيد لهن. يحرصن على تجاذب أطراف الحديث معه وكأن معرفة قديمة جمعتهن به.

وفي كل ذلك تجلى حرصها الشديد على توظيف المواقف التي مرت بها طوال حياتها لتكرس دروسا حياتية ربما تغيب اليوم عن الجيل الجديد الذي شغلته الحياة عن أصول تربوية واجتماعية ما كان ينبغي أن تغيب. تتحدث عن تربية الأبناء ودور الأم في تأصيل العادات الحسنة في أبنائها، تنتقد الاعتماد على المربيات، توصي بالحشمة والالتزام بالدين. كانت أم الإمارات في جلستها مدبرة البيت ومديرة شؤونه لا تمر شاردة ولا واردة إلا ولها في ذلك شأن وأمر.

تتفقد الجميع وتحرص على أن تؤدي واجبها نحوهن دون تقصير، في حلة من التواضع التي ربما غابت في ساحات القصور والمحافل الدولية. تشعر وأنت تجلس بجانبها تحدثها بأنك أمام سيدة بدوية لم تفتها من البداوة فطنة ولا كرم ولا كياسة. الشؤون السياسية التي لا تشغل بال كثير من السيدات كانت حاضرة لديها بقوة في ذاكرة تسجل الأحداث بتواريخها وأشخاصها، فتصل إلى حقيقة أن هذه المرأة العظيمة هي خريجة مدرسة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد.

مسيرة كفاح لم تخل من المعاناة ولكنها معاناة صقلت شخصية امرأة عظيمة نفتخر بأن تكون أمنا. بعد استقبالها كنت اردد عبارة أقول فيها إن الشيخة فاطمة بنت مبارك، أم الإمارات، خارج نطاق المنافسة والمقارنة مع أي امرأة عربية أخرى لأنها قدمت في ساعتين ما شعرنا حقيقة أننا عاجزون عن التعبير عنه.

سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك طالبت عضوات المجلس الوطني الاتحادي بتقديم نموذج مشرف للمرأة الإماراتية، ونحن نقول لها إنها اليوم أصبحت النموذج الذي نطمح لأن نكون مثله، وهذا الطموح صعب للغاية، يضع أمامنا تحديات كبيرة نعتزم تجاوزها بكثير من الاقتدار لتفخر هذه الأم ببناتها اللاتي رفعن رؤوسهن عندما وضعت ثقتها فيهن. زيارتنا لسموها حملتنا مسؤوليات كبيرة ليس على مستوى المجلس الوطني وتمثيل الشعب والدولة فحسب، وإنما على مستوى أدوارنا كأمهات ومربيات وربات بيوت عربيات.

عندما ودعتنا طلبت منها وصية تلازمنا وتذكرنا بهذا اليوم التاريخي، فردت سموها قائلة «كونوا دائما بالقرب مني» وصية أم ترغب في أن تكون ابنتها بالقرب منها لتنهل من خبراتها وتعينها في مسيرة كفاحها وتطمئن عليها في الوقت نفسه. ولا يسعنا بعد هذا اللقاء الذي سيبقى في الذاكرة سوى أن نتقدم لسموها بالشكر الجزيل على حسن استقبالها وثقتها فينا ونعاهدها كما نعاهد الشعب على أن نكون عند حسن ظنهم. رسالة الشكر هذه أقدمها لسموها من عيون أحبت وآذان طربت وعقول ذهلت وقلوب أحبت وقدرت.

maysaghadeer@yahoo.com