الاتفاق الذي بلغته اللجنة السداسية، حول الملف النووي الكوري الشمالي أحدث موجة ارتياح عام. فقد وضع حداً لمشكلة، كانت مرشحة للمزيد من التفاقم وبما يهدد السلام في الشرق الأقصى واستطراداً على الساحة الدولية برمتها، لو هي بقيت تتفاعل، من دون العثور على مخرج لها. في أكثر من مرة وصل التوتر بخصوصها، بين بيونغ يانغ وواشنطن، عتبة المواجهة، كوريا هددت بضرب أهداف استراتيجية، إقليمية وأميركية، لو تعرضت لهجوم أو لحصار.
وللتأكيد على عزمها وجديتها في المضي بمشروعها هذا، أجرت كوريا تجربة نووية تحت الأرض. بهذا التطور صار الموضوع فوق صفيح ساخن، وعاد إلى جدول الأولويات الأميركية والآسيوية، ومع هذه العودة رجع إلى طاولة المفاوضات التي انتهت أول أمس بالتوافق حول صيغة متوازنة.
كوريا تقوم بتجميد مشروعها النووي الآن؛ على أن تعمد إلى تفكيكه في مرحلة لاحقة؛ مقابل مساعدات سخية وتطبيع للعلاقات معها، وبذلك نجح العثور على تسوية في سحب فتيل أزمة دولية خطيرة. فهل ينسحب هذا النجاح على منطقتنا وينعكس إيجاباً على أزمتها الملتهبة بحيث ترجح كفة الخيارات السياسية السلمية في معالجتها وخفض درجات التوتر والتأزيم فيها؟
الاتفاق مع كوريا الشمالية حقق إنجازين كبيرين ومهمين. من جهة هو يؤكد على فضيلة ونجاعة خيار الحوار في حل الأزمات حتى النووية، مهما بلغت تعقيداتها وحدود التأزيم فيها.
صحيح إن المفاوضات مع بيونغ يانغ استغرقت سنوات، ووصلت أكثر من مرة إلى طريق مسدود أدى إلى انهيارها. لكن الإصرار على هذا السبيل، معطوفاً على المرونة المتبادلة؛ فضلاً عن نضوج الظروف اللازمة؛ كله أعطى ثمرته، والمكسب الثاني الذي تحقق يتمثل ـ إذا ما أخذ هذا الاتفاق طريقه إلى الترجمة على الأرض ـ في كونه يأتي بمثابة خطوة ناجزة شديدة الأهمية في مجال الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل. وهو الهدف الاستراتيجي الكبير، الذي تواصل السعي إلى تحقيقه منذ السبعينات.
من هذه الزاوية، رفع الاتفاق مع كوريا من منسوب الآمال بالتوصل إلى حل دبلوماسي للنووي الإيراني، فهذا الملف استغرق فترة كافية، تخللتها توترات بين طهران وواشنطن. وقد كثر الحديث عن احتمالات مواجهة عسكرية بين الجانبين، بسبب النووي، ما يشجع أنه في الأيام الأخيرة شهد الخطاب، من الجانبين، لغة مرنة وربما واعدة، يعزز من هذه الأجواء، تكثف الجهود والمشاورات الدولية، في هذا الخصوص.
والمتوقع أن تشهد حقنة تزخيم إضافية؛ في أعقاب الاتفاق مع كوريا الشمالية، فالأزمة مع هذه الأخيرة كانت أشد تعقيداً وخطراً، كما إنها مرت بمراحل ومحطات بالغة التأزيم، وقفت أكثر من مرة، أو كادت على حافة الهاوية، على الأقل الأزمة النووية الإيرانية لم تصل بعد إلى هذه النقطة.
فضلاً عن أن التلميحات عن وجود رغبات متبادلة للتوصل إلى تسوية، آخذة في التبلور مؤخراً، على أن الملف النووي في المنطقة لابد، كي تستقيم معالجته وعملية التعاطي معه، من مقاربته بصورة شمولية، في آخر المطاف، ربما يكون التركيز الدولي الآن على النووي الإيراني. لكن إذا ما أريد تخليص المنطقة من هذا الخطر فلا مهرب من تسليط الأضواء أيضاً على النووي الإسرائيلي؛ القادم الأول إليها ذلك أنه لا يعقل أن تبقى إسرائيل وحدها مالكة لهذا السلاح وممنوع على غيرها حتى التفكير به! فالمشكلة واحدة والخطر واحد، وهكذا ينبغي أن يكون الحل.