يستخدم العلماء في علم اللغة النفسي مصطلح التداعي والاقتران ليشيروا إلى أنّ دماغ الإنسان يطبق آلية معينة عند سماعه كلمة ما، إذ تؤثر هذه الكلمة فيه تأثيراً معيناً تجعله يستحضر كلمات أخرى ترتبط بالكلمة الأولى ارتباطاً خاصاً، تحدده تجارب الإنسان وثقافته وخبراته. فحين نسمع كلمة من مثل «ليل» تستحضر أذهاننا، بلا وعي منّا، كلمات أخرى نرى أن لها علاقة خاصة بالليل، فقد يستحضر أحدنا كلمات من مثل: نجوم، قمر، ظلام، نوم.

وقد يستحضر آخر كلمات من مثل: سهر، تعب، أرق. وقد يستحضر ثالث كلمات أخرى تختلف عن الكلمات السابقة أو تلتقي معها في بعض الأحيان. وكثيراً ما أتذكر هذه الآلية حين أفكر في كلمة «الطفولة»، إذ أتساءل بيني وبين نفسي: ما الكلمات التي تتداعى إلى الذهن حين نسمع هذه الكلمة؟

لا شك أنّ كثيرين منا سيستحضرون كلمات من مثل: براءة، سعادة، لعب، ضحك، محبة، بالونات، حدائق، .. وغيرها من الكلمات التي تشير إلى أنّ هذه الكلمة تتمتع بقدر كبير من العذوبة، وتختزن كمية كبيرة من حقول دلالية جميلة، نميل جميعاً إلى حبّها، ونشترك جميعاً في أنها مما يدخل البهجة على القلوب.

ولا أدري إن كان الناس على اختلاف مواقعهم الجغرافية، وتفاوت ظروفهم المعيشية سيكوّنون قائمة قريبة من القائمة التي ذكرتها سابقاً إذا سئلوا: ما الذي تعنيه كلمة «طفولة» بالنسبة لك؟ ما الكلمات التي قد تتداعى على ذهن أشخاص يعيشون في افريقيا مثلاً ؟ أو في فلسطين؟ أو في العراق؟ أو أفغانستان؟ وغيرها من الدول التي للطفولة فيها وجه آخر يبتعد كثيراً، بل يكاد يكون في الطرف المقابل لكل الكلمات التي ذكرناها آنفاً.

أظنّ أنه على الرغم من أنّ الطفولة في مثل هذه البقاع من الأرض تعيش معاناة قاسية صعبة، تترجمها الأرقام والإحصائيات المخيفة أحياناً، إلا أنّ كملة «الطفولة» ستبقى محتفظة بقدر كبير من براءتها وجمالها في أذهان معظم الناس، وإن كان واقع الحال، في مثل هذه الأراضي، ينقش في النفوس كلمات أخرى بعيدة كل البعد عن حقول السعادة والفرح والبهجة والصحة والرعاية والأمن؛ إذ تبقى بعض الكلمات- كما أرى شخصياً- محتفظة بخصوصيةٍ ما تجعلها قادرة على الاحتفاظ بقدرتها على استدعاء دلالات محددة على اختلاف الزمان والمكان والإنسان.

فإذا كانت الكلمة قادرة على الاحتفاظ بسمات ثابتة فيما توحي به من دلالات ومعان، فهل واقع الكلمة يتمتع بهذا القدر من الصمود والقوة والثبات؟ لا شكّ أنّ واقع الطفولة في أماكن معينة من العالم يختلف كثيراً عما تستدعيه هذه الكلمة الوادعة الجميلة، بل إنه أحياناً - كما أشرنا- يناقض كل ما قد توحي به، وما قد تستحضره في العقول من معان وظلال.

فقد أشار التقرير الذي أطلقته اليونيسيف في عمّان في 14 ديسمبر/ 2005 ، والذي يصور واقع الأطفال المتوقع في عام 2006 في الشرق الأوسط إلى أنّ «جهود التطوير الدولية ما زالت تتغاضى عن تحسين حياة الأطفال الذين يقعون ضحايا الإساءة والاستغلال والتمييز، والمستبعدين عن التعليم والصحة والخدمات الحيوية الأخرى». إذ يبين التقرير أنه ما زال طفل من بين كل ستة أطفال يموتون حول العالم قبل سن الخامسة.

وقد صرّح المدير الإقليمي لليونيسيف في الشرق الأوسط وشمال افريقيا بأن بعض الدول في المنطقة استطاعت أن تعالج مشكلات التعليم والصحة واحتياجات التطور البشرية الأخرى خلال العشرين سنة الماضية بنجاح، ومع ذلك، فهناك أطفال في بعض دول المنطقة ما زالوا يعيشون في عزلة تامة عن التقدم الذي تم تحقيقه، إنهم « أطفال غير مرئيين، ونسيهم مجتمعهم، قد يكون الاستبعاد لأسباب جغرافية أو عرقية أو بسبب صراع، لكنه قد يكون أيضاً بسبب عوامل من مثل الإعاقة والمرض».

وعلى الرغم من أنّ الدول في هذه المنطقة تتفاوت في اتجاهها نحو تحقيق أهداف التنمية العامة، فقد احتلت دول الخليج باستثناء اليمن موقعاً جيداً فيما يتعلق بتحقيق هذه الأهداف، فإنّ دولاً أخرى كثيرة في المشرق والمغرب سجلت تفاوتاً كبيراً في هذا المجال، ويشير التقرير إلى أنّ العراق وفلسطين لن تتمكنا من تحقيق معظم أهداف التنمية، وبأنّ الدول الأقل تقدماً، وتلك التي فيها صراع قد تتمكن من تحقيق تقدم محدود في هذا المجال.

لقد بينت اتفاقية جنيف الدولية في عدد من بنودها أنّ للأطفال حق الحصول على التربية حتى في حال اندلاع الحروب، بما في ذلك التربية الدينية والأخلاقية، وأنّه يحرم تجويعهم أثناء الحصار وخلال النزاعات، فهم يصنفون مع مجموعة المدنيين المحميين، وهم محل احترام خاص، ويجب حمايتهم ضد أي شكل من أشكال الاعتداء.

والذي يبدو من تأمل الواقع أنّ اتفاقية جنيف الدولية بقيت في كثير من بنودها حبراً على ورق، وأنّ الانتهاكات في حق الطفولة البريئة آخذة في التزايد، وأنّ الحرب لا تفرق بين صغير وكبير، ولا يعنيها أن يكون بين الناس طفل عاجز يحتاج إلى من يحميه، ويعتني به، ويلبي حاجاته، ويحبه.

يحتاج الأطفال إلى إشباع حاجات أساسية لنموهم وتوازنهم الشخصي والعاطفي، ولكنّ هذه الحاجات تتضاءل أحياناً، وقد تختفي وتتلاشى تماماً في ظل الحروب والصراعات المسلحة، أو تحت وطأة الفقر والحاجة، أو تحت تهديد المرض والكوارث الطبيعية. وهذا قد يسبب لهم معاناة كبيرة قد تصل أحياناً إلى حدّ القضاء عليهم وسلبهم حياتهم. إنّ للأطفال حاجات أساسية يذكرها علماء النفس، أهمها: الحاجة إلى الحب، وخاصة حب الوالدين، والحاجة إلى الأمن، والحاجة إلى المدح والتقدير، والحاجة إلى خبرات وتجارب جديدة، والحاجة إلى اللعب.

وإنّ المرء ليتساءل وهو يطالع شاشات التلفاز كل ليلة، أو وهو يقرأ الأرقام والإحصائيات التي تسجلها المنظمات الدولية، والتي تشير إلى طفولة جديدة تنشأ في عالمنا وتكبر وتتضخم: طفولة بعيدة كل البعد عن المعاني الجميلة التي قد يستحضرها، وهو يفكر في هذه الكلمة: ما مصير كل هؤلاء الأطفال؟ وما ذنبهم؟ وبأي حق يحرمون من الحياة؟ ومن الحماية؟ ومن الغذاء؟ ومن الدواء؟ ومن الفرح؟ وكيف سيكونون حين يكبرون؟ إذا كبروا، وكتبت لهم النجاة؟

إنّ الأطفال هم أكثر ضحايا الحروب والصراعات، فهم أكثر الناس تعرضاً للمخاوف والتشرد والضياع، وهم أعجز الناس عن فهم ما يحدث حولهم، أو تفسيره، أو تبريره. إنّ المعاني تنتفي في نفوسهم، وهم غير قادرين على أن يبنوا صورة واضحة عما يجري حولهم.

العجز والحاجة والخوف والألم والحزن والبكاء كلمات قد تتداعى على أذهاننا، ونحن نفكر في الطفولة في فضاء فلسطين والعراق والسودان والصومال وغيرها من أرض العرب الواسعة. وإن المرء ليتساءل حزيناً، وهو يتأمل نظرات الأطفال الصغار وآلة التصوير تمرّ عليهم مروراً خاطفاً سريعاً: ما الذي تعنيه كلمة «طفولة» لهؤلاء الأبرياء المحرومين الخائفين؟

جامعة الإمارات