جميع الاتجاهات السياسية وتاريخها لا يجعلها ثابتة ولا مثالية، وتأتي التقلبات وفقاً لقاعدة المصالح تقود السياسات، ومن الحقائق التي انقلبت رأساً على عقب، العلاقة مع قطبي القوة الاتحاد السوفياتي، وأمريكا بدول المنطقة العربية..
فحلفاء الأمس من العرب، ومن جاورهم كانوا الأكثر بالانتماء للفكر الاشتراكي، وقد انهزم العرب بالأسلحة السوفياتية عام 1967، وانتصروا بها على إسرائيل عام 1973وكان الحضور السوفياتي قوياً في الثقافة والتسلح والصناعات، وحتى عدوى التأميم التي عملت بها معظم الدول العربية، ونشوء أحزاب وصل بعض تطرفها إلى السحل، والقتل على المبدأ كانت جزءاً من تلك المؤثرات.
أصدقاء الأمس، صاروا الآن شبه حلفاء للغرب، وبدأ النهج الرأسمالي هدفاً عاماً، وقد انحسر دور الاشتراكية الدولية، إلى العولمة الجديدة، وحتى التسلح ورفع الشعارات التي قالت بحتمية صعود البروليتاريا ونشوء الحكومة الشيوعية العالمية، ايضاً انحسرت باعتبارها فكراً أقرب إلى (اليوتوبيا) منها للواقع، وأن الغرب أكثر تقدماً بتقنياته بما فيها السلاح..
لنأخذ مثالاً آخر، فقد عاشت إيران الشاه حليفاً متقدماً، وحائط صد ضد وصول الاتحاد السوفياتي للمياه الدافئة، وكان الشاه يحظى بدلال من أمريكا والغرب، لدرجة أنه جُهز ليكون شرطي الخليج، وبعد الثورة صارت إيران الإسلامية عدواً للغرب، شريكاً للروس، حتى إن لعبة كسر الأصابع بين أمريكا وروسيا بدأت تتشكل من داخل إيران والعراق بسبب أخطائها الفادحة،
ولعل التقارب العربي - الروسي، والذي يجب أن لا يكون على حساب العلاقات التقليدية مع الغرب، أن روسيا، لا أمريكا، هي من يستطيع (عقلنة) الاتجاه الايراني بامتلاك سلاح نووي، بشرط أن تحظى روسيا بنفس المعاملة التي تليق كقوة عظمى بعيدة عن تصدير الايدلوجيا، وأن لا يُنسى انها دائنة لمعظم الدول العربية التي عاشت معها على علاقة مستمرة زمن المد الشيوعي..
وكما أن روسيا رأسمالية ذات إمكانات هائلة، فإن من طبيعة الأشياء أن تبحث عن مصادر عديدة للاستثمارات، سواء في الدول العربية أو غيرها، ونحن في المملكة ندرك أن إضافة أي دولة لديها ما تستطيع تقديمه لنا، أن نوفر لها المعاملة المتماثلة، وحتى قضايا التسلح، فإن آفاق التعاون التي تفرضها طبيعة ظروف المنطقة، توجب أن يكون لروسيا اسهام بها..
ولإدراكنا أن السياسات غير ثابتة، فالأولى أن ندرك انه بالامكان تغيير الأهداف إذا كانت تخدم أي طرف من علاقة حميمة، إلى شبه قطيعة، ولا ندري ما ستخبئه الأيام، لو أن أمريكا رأت بمصالحها الحوار مع إيران والدخول بشراكة معها، ومن ثم إسرائيل، أن لا يقع العرب ضحية تحالف أخطر، ليوضعوا أمام حصار سلاحين نوويين إسرائيلي، وإيراني، ومن هذه الأسباب مجتمعة يجب ألا نرهن سياساتنا لدور واحد ببعد واحد، وحتى الوضع في الشيشان، رغم مرارته إسلامياً، لم يكن عائقاً أمام روسيا أن تتقارب مع الدول الإسلامية أكثر من الغرب الذي يضعها في جدول منابع الإرهاب،
ولعل فتح مثل هذه الأبواب وجعلها سبباً في تأزيم العلاقات، يجعلنا أمام قضايا معقدة لأن الدول العربية والإسلامية لديها أقليات مسيحية وأثنية أخرى لا نرغب أن تكون وسيلة تدخل دول أخرى..