شهدت إسرائيل مؤخرا تطورات لافتة للانتباه بالنسبة للطبقة السياسية القائدة فيها، فثمة تحقيقات واستقالات بشأن اتهامات أخلاقية أو سياسية. فهذا إيهود أولمرت رئيس الوزراء (وزعيم حزب كاديما)، خضع لتحقيقات مطولة بشأن وقائع الحرب على لبنان، كانت شملت أيضا عمير بيريتس وزير الدفاع (وزعيم حزب العمل)، والعديد من القادة العسكريين، وضمنهم الجنرال دان حلوتس رئيس اركان الجيش (سابقا)، الذي قدم استقالته بعد ذلك، بسبب الشبهة في مسؤوليته عن الاخفاق في حرب لبنان (يوليو /أغسطس:2006).
وإذا كانت التحقيقات المذكورة طاولت قضايا مصيرية، تتعلق بقوة إسرائيل العسكرية، وهيبة جيشها، وطريقة اتخاذها للقرارات، فثمة ما يلفت الانتباه في التحقيقات والمحاكمات التي تتعرض لها نخبة من قادة إسرائيل، على خلفية شبهات أخلاقية. فهذا موشيه كتساف رئيس الدولة اضطر إلى أخذ إجازة للخضوع للتحقيق في قضية تحرش جنسي، وهو ما تعرض له حاييم رامون،أيضا، الذي اضطرته قبلة خفيفة وعابرة (من ثلاث ثوان)، إلى مغادرة الحياة السياسية، بتهمة التحرش الجنسي؛علما أنه من ألمع نجوم السياسة في إسرائيل، وأكثرهم شعبية.
معلوم أن إسرائيل شهدت سابقا العديد من التحقيقات والاستقلالات على خلفيات سياسية وأخلافية وعلى خلفيات تتعلق بالتقصير، أو بالفساد واستغلال النفوذ.على أية حال فما يعنينا في إثارة هذه المسائل هو ردّ الفعل عليها في الأوساط السياسية والصحفية العربية، إذ يمكن ملاحظة كثير من السطحية والتسرع (والتشفي) في التعاطي مع هذه المسائل. وفي الواقع فإن ردود فعل من هذا النوع تنطلق في التعامل مع إسرائيل باعتبارها عدوا، فحسب، دون أن ترى في تفوقه عليها أية ميزة تحسب لصالحه، وبالذات لصالح تفوقه على الواقع العربي.
المعنى أن وجهات نظر من هذا النوع تحاول أن تحصر تفوق إسرائيل على الواقع العربي، بقوتها العسكرية، وبضمان الولايات المتحدة لأمنها وتفوقها؛ أي أنها تحيل ذلك التفوق للعامل الخارجي وللمعطيات الدولية والقوة العسكرية، في محاولة لحجب، أو للتقليل من أهمية العامل الذاتي.
وعلى رغم أهمية الدعم الأمريكي (والغربي عموما) لإسرائيل، في شتى المجالات، وأيضا تفوقها في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، فإن هذه الدولة )«المصطنعة»( مدينة باستمرارها وتطورها وتميزها، إلى عاملين أساسيين، يضفيان عليها قوة مضافة، أولهما، ويتمثل بنظامها الديمقراطي (بالنسبة لمواطنيها اليهود)، أو بمعنى أخر بطريقة إدارتها لأوضاعها وعلاقاتها ولمجتمعها.
فبفضل هذه الإدارة وهذا النظام تتمكن إسرائيل من تجاوز نقاط ضعفها (محدودية المساحة وعدد السكان وعداء المحيط)، كما من السيطرة على تناقضاتها ومشكلاتها الداخلية وتوجيهها للخارج؛ على عكس الواقع العربي الذي يعيد إنتاج علاقات الضعف والتهميش، ويفرز علاقات التناقض والخلاف والاصطراع بين مكوناته المجتمعية والسياسية، على خلفيات تتعلق بالصراع على الهيمنة والسلطة، والانكشاف أمام التدخلات والاختراقات الخارجية.
وللمفارقة فإن التميز الإسرائيلي في هذا المجال، هو ما تفتقده حال الكيانات العربية، بالقياس للإمكانيات الكبيرة التي تمتلكها: المساحة ـ الكثرة العددية ـ الثروة النفطية، عوامل تكوين الأمة؛ وذلك بسبب تخلف النظام السياسي والطريقة السلطوية في إدارة الدولة والمجتمع، وغياب دولة المواطنين، أو دولة المؤسسات والقانون، وسيادة البني الطائفية والمذهبية والإثنية والعشائرية!
الجدير ذكره أن النظام السياسي الديمقراطي في إسرائيل (بالنسبة لمواطنيها اليهود) يقوم على نظام المشاركة السياسية، والفصل بين السلطات (وهنا مصدر قوة السلطة القضائية)، وعلى الانتخابات النسبية والدائرة الواحدة، والتعددية والتنوع، والاحتكام لصناديق الاقتراع لحل القضايا الخلافية، ما يكفل لكل التيارات والجماعات والأحزاب السياسية والاثنية (مهما كان حجمها) التعبير عن ذاتها، والوصول إلى مقاعد الكنيست الإسرائيلي.
في حين أن مؤشّر المشاركة في السياسة، في المنطقة العربية، يعكس ظاهرة اللامبالاة والسلبية والاغتراب، التي تسود المجتمعات العربية، بالقياس للمجتمع الإسرائيلي الذي تبلغ فيه نسبة المشاركة في الانتخابات 80 بالمئة، هذا عدا عن النسبة العالية للمشاركة في النشاطات الحزبية والشؤون العامة.
أما العامل الثاني، الذي تتميز به إسرائيل، فيتمثل بتمكنها من استثمار مواردها (المادية والبشرية) بشكل أفضل، (على رغم محدوديتها العددية). فمثلا يبلغ حجم الإنفاق على الفرد في إسرائيل، في مجال التعليم، حوالي 1200 دولار، في حين أنه في العالم العربي يبلغ حوالي 150 دولارا، في العام، علما أن الإحصائيات تؤكد وجود نسبة أمية تعادل 40 بالمئة فيه!
أما حصة الفرد الإسرائيلي من الإنفاق على البحث العلمي فتبلغ حوالي 500 دولار، في العام، علما أن نسبة الإنفاق على البحث والتطوير العلمي في إسرائيل تبلغ 5 ,2 بالمئة من ناتجها السنوي الذي يقدر بحوالي 150 مليار دولار. بالمقابل فإن حصة الإنفاق على الفرد في العالم العربي، في مجال البحث والتطوير، لا تزيد عن 8 دولارات، في العام.
وهي تمثل 3 مليارات من الدولارات، وهو ما يعادل المبلغ الذي تنفقه إسرائيل سنويا في هذا المجال، مع الفارق البيّن بالنسبة لمجموع السكان! وبحسب أليشع يناي (رئيس رابطة شركات الالكترونيات)، أصبحت إسرائيل بمثابة «وادي السليكون» في المنطقة:
«لا يجب أن نُقاس بالولايات المتحدة كلها، بل بمناطق هاي تيك معينة، مثل وادي السليكون في كاليفورنيا، ومنطقة الهاي تيك في بوسطن ومنطقة الهاي تيك في تكساس. في مقايسة كهذه، توجد إسرائيل في المكان الثالث العام، لا فقط النسبي للمهندسين والقوة العاملة التقنية.
(يديعوت أحرونوت 20/11/2005) وبمعيار بعض التصنيفات فإن إسرائيل تقع في الترتيب الـ 11 في العالم بالنسبة لعدد الاختراعات المسجلة في الولايات المتحدة..في الأعوام 1977 - 2004 سجل الإسرائيليون أكثر من 12 ألف اختراع في الولايات المتحدة، نحو 500 ,4 منها بين أعوام 2001 - 2004. (تقرير موطي باسوك وطل ليفي هآرتس/ ذي ماركر 19/10/2006).
من ناحية أخرى، فإن البيئة الإسرائيلية (برغم كل ما يحصل)، هي بيئة جاذبة للاستثمارات المالية وللكفاءات من المهاجرين اليهود، في حين تبدو البيئة العربية (السياسية والاقتصادية والاجتماعية) بيئة غير جاذبة (بل طاردة!) في هذين المجالين، فثمة أكثر من ألف مليار دولار من الأموال العربية تستثمر خارج العالم العربي، وبحلول العام 1976 ثمة واقع هجرة لحوالي 23 بالمئة من المهندسين و50 بالمئة من الأطباء و15 بالمئة من جميع الشهادات الجامعية من البلدان العربية، إلى بلدان المهجر (أوروبا والولايات المتحدة وكندا واستراليا) بحسب تقرير التنمية الإنسانية العربية (2003).
أما من حيث مستوى المعيشة فإن حصة الفرد الإسرائيلي من الناتج السنوي اجتازت لأول مرة خط الـ 20 ألف دولار، بحسب تقرير صادر عن مكتب الإحصاء المركزي للعام 2006 (تقرير يوسي غرينشتاين، معاريف/ عساكيم 19/10/2006)، أما في الدول المجاورة فهو يتراوح بين 1000 دولار للفرد (مصر والسلطة الفلسطينية) و2480 دولارا للفرد (الأردن) و6440 دولارا للفرد (في لبنان). (تقرير جاد ليئور، يديعوت أحرونوت 16/10/2006) .
وبحسب غاي بخور فإن الإنتاج الوطني الخام لإسرائيل ارتفع إلى 150 مليار دولار في العام 2006. وهو ما يساوي الإنتاج الخام للأردن(15 مليار دولار) ولبنان (24 مليارا)ومصر (116 ملياراً)، مع الفارق الكبير بين عدد سكان إسرائيل، وعدد السكان في كل من مصر ولبنان والأردن.» (يديعوت أحرونوت 21/12/2006).
ويستنتج من ذلك أن تحدي إسرائيل للعالم العربي لا يقتصر البتّة على المجال العسكري فقط، ولا على التفوق الاقتصادي والتكنولوجي فحسب، كما ولا على إسناد الولايات المتحدة لها، بقدر ما هو، أيضا، نتاج التمايز في مجالات النظام السياسي وإدارة الموارد البشرية والمشاركة السياسية، وفصل السلطات، وخصوصا في مجال خضوع الحكام والمسؤولين للمساءلة أمام القانون والسلطة القضائية والهيئات التشريعية.
والمعنى أن إسرائيل تقوى وتتطور برغم كل الحديث عن أزماتها وفسادها وتقصيراتها، وربما بسبب من اخضاع هذه الأزمات إلى مبادئ الشفافية والمحاسبة والمراجعة.
كاتب فلسطيني