تمر اليوم الذكرى السنوية الثانية لاغتيال رئيس وزراء لبنان الراحل، رفيق الحريري. وقد تزامنت الذكرى مع تفجيرات أمس الدامية التي شهدتها بكفيا الجبلية، مما يشير إلى صعوبة الوضع الذي يعيشه لبنان، فالبلد يعيش أزمة متفاقمة، منذ وقوع جريمة الاغتيال. تلك الهزة أدت إلى انشطاره عمودياً إلى فريقين: حكومي ومعارض. الأول يقيم احتفالاً بالذكرى، في قلب بيروت. على تخوم المكان تقيم المعارضة مخيمات اعتصامها الذي مضى عليه أكثر من شهرين.
ورغم تفجيرات أمس إلا أن الالتزام والتوافق قد انسحب على لغة التخاطب المتداولة، بين الفريقين خلال الايام القليلة الماضية. وزاد من الارتياح، النسبي والحذر في كل حال، هبوب رياح تحمل نسائم تفاؤل، في الأيام الأخيرة. خطوط المشاورات والمساعي فضلا عن التلميحات المختلفة، تقاطعت عندما أدى إلى توليد مثل هذا المناخ. بعض المداولات تحدثت عن ما سمته «طبخات موضوعة على النار».
إشارات تطايرت من أكثر من صوب؛ في هذا، الاتجاه صحيح أنها غامضة وملتبسة وأن التكتم الشديد مضروب حول التفاصيل. لكن بالمقابل سمعت أصوات تتحدث صراحة عن «احتمالات إيجابية»؛ كما عن أن «آفاق الانفراج ليست مسدودة». ومنها من ذهب إلى حدود التطمين بأن الأمور «سائرة نحو الحلّ».
كلام كان قد سبقه تشديد على أن «الأزمة سياسية وحلّها أيضاً سيكون سياسياً». كل ذلك ساهم في انتعاش الآمال باقتراب حلحلة. في ذات الوقت جاء تأجيل عودة الأمين العام للجامعة العربية، عمرو موسى، إلى بيروت؛ ليرسم علامات استفهام. بل ليكبح جماح أي تفاؤل. وربما صبّ في ترجيح كفة التشاؤم، من جديد. لاسيما وان الأمين العام أشار إلى استمرار وجود عوائق وعدم تزحزح في مواقف الأطراف اللبنانية.
إن تفجير أمس يحمل الكثير من الدلالات والمخاطر، ولكن رغم ذلك فان هناك في الساحة اللبنانية قواسم مشتركة.ولو ضئيلة .يمكن الانطلاق منها والبناء عليها، فالتوافق ولو الضمني والمحدود على اجتناب انفجار الأوضاع، ينطوي في جانبه الآخر على وجود رغبة، أو على الأقل استعداد مهما كان ضعيفاً، للعثور على مخرج.التحدّي هنا يكمن في معالجة الملفات وتفكيك تعقيداتها تباعاً وربما بالتقسيط.
الأزمة اللبنانية مشبعة بعوامل التأزيم وحادثة تفجير الباصين أمس في بكفيا وما سقط فيها من ضحايا مدنيين، خير شاهد. لقد وصلت الأزمة إلى حدود الانتفاخ. احتقاناتها مؤخراً كادت أن تنفجر على نطاق واسع. في اللحظة الأخيرة حصل الاستدراك. ولوحظ أنه بعد ذلك الحين شهدت حالة من الفرملة على الأرض، ولو أن خطاب الأطراف بقي يشهد هبّات من التصعيد.
اليوم حرّي باللبنانيين اغتنام الفرصة لتطوير الانضباط كمحطة لفتح خطوط التواصل. المساعدة العربية، لا غنى عنها، لتمكين الفريقين من القيام بمثل هذه النقلة. فالمشكلة لها ابعاد إقليمية ودولية، أكبر من طاقة لبنان، مع الأمل بأن يكون حادث تفجير أمس مجرد حادث عابر وليس بداية مزمنة.