في مثل هذا اليوم قبل سنتين حالكتين، تم اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في عملية تفجير بالغة الدقة وموغلة في الإجرام، استهدفت موكبه وقتلت عدداً من مرافقيه وأصيب الباقون بمن فيهم وزير الاقتصاد والتجارة باسل فليحان الذي توفي في ما بعد متأثراً بإصاباته البالغة.
العملية، على فظاعتها، لم تكن الأولى من نوعها في لبنان، وليست الأخيرة في مسلسل التفجيرات والاغتيالات التي راح ضحيتها العديد من القيادات السياسية والدينية، منذ اغتيال المفكر الوطني كمال جنبلاط في 16 مارس عام 1977 مروراً باغتيال كل من الشيخ حسن خالد مفتي لبنان ورئيس الجمهورية رينيه معوض عام 1989، وحتى عملية الاغتيال التي تعرض لها في 21 نوفمبر 2006 وزير الصناعة الشاب بيار الجميل نجل الرئيس السابق أمين الجميل وحفيد مؤسس حزب الكتائب اللبناني.
اغتيال الحريري مثّل منعطفاً جديداً وخطيراً، ليس في الحياة السياسية اللبنانية فحسب، وإنما على مستوى المنطقة بشكل عام، وما زالت آثاره وتداعياته تتوالى بوتيرة متصاعدة، أزمة مستعصية في الداخل اللبناني، وتوتر متزايد مع بعض دول الجوار والإقليم، خاصة سوريا المتهمة من قبل أطراف سياسية لبنانية عديدة بالوقوف وراء اغتيال الحريري وغيره من الهزات الأمنية في البلد، وكذلك الحال مع إيران التي تتهمها الأطراف ذاتها بالتدخل في الشؤون اللبنانية ودفع المعارضة للتصعيد ضد الحكومة والقوى المنضوية في إطارها.
وتقابل المعارضة هذه الاتهامات بالقول إن الحكومة والقوى المشاركة فيها إنما تتبع املاءات خارجية وتعمل على تنفيذ مخططات أجنبية، أميركية وفرنسية تحديداً وربما إسرائيلية، لا تخدم مصالح لبنان.
ولسنا هنا في معرض المفاضلة بين الاتهامات والاتهامات المضادة، فهذا شأن متروك للبنانيين أنفسهم، أو هكذا يجب أن يكون. لكن كل مواطن عربي، أياً كان انتماؤه القُطري أو توجهه السياسي، معني بمستقبل لبنان وضمان بقائه وطناً للتعايش.. وطناً للحرية والانفتاح السياسي والثقافي.. وطناً للمناضلين والمقاومين كما هو وطن للمستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال، ووطناً لفيروز والرحابنة وكل ما هو جميل ومبهج.
ولا شك أن اغتيال الحريري وبهذه الطريقة الإجرامية البشعة، هو استهداف عن سابق إصرار وترصد لكل لبنان وما يميز لبنان، وهذا ما يجمع عليه اللبنانيون في السلطة والمعارضة والمواطنون العاديون خارج هذين الإطارين.
والسؤال الضاغط الذي يطرح نفسه بإلحاح: إذا كان الساسة اللبنانيون جميعاً، كما يعلنون في خطبهم وتصريحاتهم، يعيدون الأزمة الخانقة الراهنة إلى الأيادي الخارجية والأجنبية، قريبة كانت أو بعيدة، فلماذا يستمرون في «الاقتتال» السياسي والإعلامي خدمة لتلك الأيادي وما يريده أصحابها؟
ولماذا توأد كل الجهود والمبادرات المحلية والعربية لإيجاد توافق وطني عبر حوار جاد تشارك فيه كل الأطراف السياسية دون فرض أو إقصاء؟ كيف يكون لبنان موطناً لحوار الثقافات والحضارات عبر أجيال وقرون، ويعجز أهله عن أن يتحاوروا في ما بينهم ليعيدوا إلى لبنان وجهه الحقيقي المشرق؟
التدخل الخارجي في لبنان ليس جديداً، لأن لبنان بموقعه وتنوعه الثقافي وخصائصه الطبيعية وحب أهله للحياة وبكل ما فيه، أغرى ويغري على الدوام كل الطامعين والطامحين من أصحاب المشاريع والمخططات الإقليمية والعالمية. فهو يقع في قلب أكثر المناطق سخونة وثراء وأشدها أهمية استراتيجية، وهو جسر للتواصل بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب، ولا يمكن لأي قوة طامعة أو طامحة أن تتغافل عن لبنان أو تتركه لقوة أخرى منافسة.
لكن لبنان في كل ماضيه التاريخي ظل عصياً على التفكك والانكسار، مقاوماً لكل أشكال الغزو والهيمنة، رغم ما مر به من نكسات ونكبات. فالحرب الأهلية المدمرة التي استمرت خمسة عشر عاماً لم تمنعه من القيام والنهوض من جديد، وانتصارات عام 2000 وصيف العام الماضي على الاحتلال والغزو الإسرائيليين ما زالت ماثلة للعيان.
لقد آن الأوان ليعود الساسة إلى رشدهم ويعيدوا النظر في مواقفهم وسياساتهم ومتاريسهم وارتباطاتهم كذلك، من أجل الإفراج عن لبنان وإخراجه من «زنزانته السياسية» التي كبلوه فيها، ليعود لبنان المحلق في آفاق الحرية والمنطلق بإبداعاته وعطاءاته، بعيداً عن «مزاريب» المصالح الأنانية والرؤى الضيقة مهما كانت أهدافها أو دوافعها.
إن استمرار خنق اللبنانيين سياسياً واقتصادياً وتهديد كيانهم ومصيرهم وشل قدراتهم على التنمية والبناء، إنما هو اغتيال آخر لرفيق الحريري الذي كان حريصاً على إنماء لبنان واستقراره.. بل هو اغتيال لكل لبنان، بماضيه الثري وإنجازاته الباهرة وقدرات أبنائه على الإبداع والعطاء. وهذا بالطبع ما لا يريده الشعب اللبناني، ولا أي محب للبنان أو معجب به.. فماذا يريد السياسيون اللبنانيون؟!