الفيلسوف الفرنسي ما بعد البنيوي رولاند بارت ( 1915 ـ 1980) قال عن الكلمة في ثلاث كلمات مركزة وواضحة إنها: «أحد أشكال السلطة». أما مؤرخ الثقافة البولندي يان باراندوفسكي الذي توفي قبله بسنتين، فقال إن «الكلمة قوة. وعندما تخلد الكلمة كتابة تصبح لها سلطة على أفكار وآمال الناس. ومن غير الممكن قياس أو تصور حدود هذه السلطة. الكلمة تفرض هيمنتها على الزمان والمكان». إنه لهذا بالذات أطلق على الصحافة، وبالتالي على وسائط الاتصال والإعلام الجماهيرية بأنها «السلطة الرابعة».
والكلمة التي تفعل هذا الفعل تكون خطيرة للغاية لدرجة أنها «تضرب أحياناً حتى الموت» حسب الكاتب الروسي ألكسندر غرينوفسكي )غرين( الذي ولد ومات قبل بارت وباراندوفسكي (1880 ـ 1932). وكثيراً ما تفعل الكلمة الحق فعلها في اتجاهين متناقضين إذ تؤدي رسالتها من جهة وتقتل صاحبها من الجهة الأخرى.
هكذا حدث في 3 مارس 1987 عندما أردي الصحافي الكولومبي هيليرمو كانو قتيلاً بعد أن فضح أنشطة وجرائم كبار تجار المخدرات في بلاده. ومنذ 14 عاماً ظلت الأمم المتحدة ممثلة باليونسكو ومعها العالم يحتفل سنوياً بهذا اليوم لتخليد ذكرى العاملين في حقل الإعلام الذين يسقطون ضحايا وهم يقومون بواجبهم المهني بمنحهم جائزة «كانو»، وللتأكيد على أهمية حماية حق الناس في حرية الكلمة.
جاءت جائزة «كانو» للعام الماضي 2006 لتقرع جرس الإنذار باشتداد الخطر المحدق بالكلمة الحق ومطلقيها في عالمنا العربي. منحت الجائزة للمذيعة التلفزيونية اللبنانية مي شدياق التي أصيبت بالعجز والتشوه إثر الاعتداء على حياتها بعبوة ناسفة انفجرت في سيارتها يوم 25 سبتمبر 2005. وليست شدياق سوى نموذج متكرر بكثرة في السنوات الأخيرة للعاملين في مهنة المتاعب في عالمنا العربي المثقل.
منتدى التنمية الخليجي الذي عقد يومي الخميس والجمعة الماضيين كرس لقاءه الثامن والعشرين في مدينة دبي لموضوع «الإعلام الخليجي: دوره التنموي ومساره المستقبلي». وفي هذا الوقت كان المنتدى قد بلغ من العمر تماماً ضعف عمر جائزة «كانو». ويعتقد الكثير من أعضاء المنتدى أنه إذ ولد وحبا في الزمن الصعب من ثمانينات وتسعينات القرن الماضي استطاع أن يعيش عقوده الثلاثة دون أن يسقط ضحية كلماته لأنه لم يكن يقدمها إلا ناعمة الملمس، مدورة الزوايا، تأملية تشخيصية أكثر منها تغييرية.
وهي قد تصعد إلى الأعلى لتصل إلى المسؤولين للعلم، لكنها كانت تحجب عن الإعلام لكي لا تصل عبره إلى من هم في الأسفل. وقد يكون ذلك ليس من باب «كن جباناً تعش لأمك زماناً»، لكنهم اعتقدوا أنها طريقة «الفعل» الوحيدة الممكنة. بالنتيجة وجد المنتدى أنه يسير ليس «في الناس» كما يقول مكسيم غوركي، حتى ولو كان من أجلهم. لقد افتقد المنتدى قنواته مع الناس فيما كاد يهرم. الآن ثبت أن ذلك الطريق قليل الجدوى، وأن لا بد من تصحيح وتسوية مع الإعلام والرأي العام. وجاء موضوع اللقاء لهذا العام كعربون صداقة بين المنتدى والإعلام.
والحقيقة أن الإعلام الخليجي بدوره بحاجة ماسة إلى مثل وقفة منتدى التنمية هذه. وكان رد فعل كبار ممثلي هذا القطاع على قدر هذه الأهمية إذ حضر اللقاء وساهم فيه بثقل عدد من كبار ممثلي الإعلام الخليجي كالشيخ وليد البراهيم، مؤسس ومالك قناة الشرق الأوسط ومن ثم العربية.
ووزراء إعلام وثقافة سابقين من كل من الكويت والبحرين وقطر ورؤساء تحرير صحف خليجية، إضافة إلى الأكاديميين والمفكرين ورجال الأعمال والشباب والنساء. وطبيعي أن القنوات التلفزيونية الفضائية اختطفت الاهتمام الأكبر في المناقشات، ومن بين 250 قناة فضائية عربية حظيت قناتا الجزيرة والعربية بنصيب الأسد.
«شكراً لقناة الجزيرة» ـ اعترف الشيخ وليد ملتفتاً إلى د. حمد الكواري وزير الإعلام والثقافة القطري السابق ـ لأنها شكلت تحدياً في مياه الإعلام الخليجية الراكدة فحركتها. قناة الجزيرة لم تكن مجرد رقم بين القنوات الفضائية حسب قول الكواري ذات مرة. لكن انعكاس الواقع المرآتي كان الواقع المر الذي اعتمدته «الجزيرة» كمنهج عمل يحول المشاهد إلى رقم إحصائي يشكل مجموعه شهادة الجودة بالنسبة للمعلن التجاري. في الجوهر هذا هو واقع الغالبية الساحقة من القنوات الفضائية ووسائط الإعلام الجماهيرية الأخرى.
لقد قسمها الاقتصادي الكويتي جاسم السعدون محقاً إلى قسمين رئيسيين: إعلام تجاري، وإعلام «غصباً عنك» الممول رسمياً، بينما قسمتها د. ابتسام الكتبي، محقة هي الأخرى، إلى إعلام يستغل المكبوت السياسي وآخر يستغل المكبوت الجنسي لدى المشاهد الخليجي أو العربي.
إن عكس الواقع مرآتياً أو تزييفه إرادوياً لا يعني أن هذا الإعلام يؤدي رسالة إنسانية حضارية، بل العكس في كثير من الأحيان. فكم شهدنا في قنواتنا الخليجية أن نقلا «صادقاً» وسريعاً لخبر ما انعكس مأساة في نفس البلد أو في بلد عربي آخر.
وكم لاحظنا أن الأخبار السريعة التي تعكس الصراعات الطائفية تشد إليها ملايين المشاهدين من الطوائف المنقسمة لتعيد إنتاج الانقسام بينهم بشكل أوسع وأعمق. في العام الماضي خصص الاحتفال بيوم الصحافة العالمي لموضوع «وسائط الإعلام والتنمية والقضاء على الفقر»، فأين إعلامنا من هذه الرسالة ؟ لم تركز المناقشات على ما إذا كان الإعلام الخليجي نجح أو أخفق في رسالة كهذه.
لكي يؤدي الإعلام الخليجي رسالة إنسانية وتنموية حضارية حق فإنه يجب أن يصبح حر الإرادة أولاً . وذلك لن يتأتى إلا بالضغط المتزايد والمتواصل على المؤسسات التشريعية المتفاوتة الصلاحيات في بلدان الخليج من أجل إصلاح التشريعات المتعلقة بقانون المطبوعات وحريات التفكير والتعبير والنشر وبحماية الإعلاميين. وأن تصبح إرادته حرة ثانياً، بمعنى التقاط الضرورات الاجتماعية واحترام المهنية وإيجاد معاييرها القيمية والأخلاقية غير القابلة للخرق والمصاغة في شكل ميثاق شرف إعلامي لا يشتريه سلطان السياسيين أو رجال المال.
فلن يكون هناك إعلام مستقل ذو رسالة ما دام خاضعاً لأحدهما أو كليهما. في لقاء منتدى التنمية الخليجي وجد الشيخ الوليد الحل في «الرأسمالية الشعبية» بتحويل المؤسسات الإعلامية إلى شركات مساهمة عامة يسير دفتها حملة الأسهم. قد يكون لهذا الطرح وجاهة فقط عندما يكون حملة غالبية الأسهم هم العاملون في هذا القطاع.
كاتب بحريني
ajnoaimi@gmail.com