نعم، هكذا يصف الأميركيون أوروبا اليوم! ويشعر الفرنسيون بأنهم مطالبون في هذا اليوم بتحفيز بقية الأوروبيين من اجل فعاليات التقدم ـ كما يسمونها ـ وكانت فرنسا ولم تزل تخشى ملامح خطر يمكن ان يحدث ليؤدي الى انشقاقات أوروبية، لن تستفيد منها إلا الولايات المتحدة . وعليه، فان الصوت الفرنسي يمارس دوما مهمة التحذير والنصح من اجل مصالح فرنسية فقط! والسؤال : عن أية إرادة أوروبية يتكلمون ؟

ولابد ان يقتنع كل الاوروبيين بأن بناء أوروبا لا يمكن ان يأتي من الخارج كي لا يبدو اصطناعيا، بل لابد ان ينبثق من الداخل الأوروبي حتى يمثل نوعا من الاصالة والتي يعتبرها الأميركيون نوعا من تصابي امرأة عجوز تلطخ وجهها بالمساحيق في عالم لم يعد فيه الا تدافع جيل جديد من الشباب الصاخب في حفل راقص !! نعم، يؤكد الفرنسيون بالذات وجوب عودة اوروبا الى مسارها الحقيقي لتأخذ مكانتها في العالم لأنها «صاحبة الضمير الدولي»، مما يتيح لها ان تخوض اعظم المغامرات في مستقبل هذا القرن والقرن التالي ..

إنهم مؤمنون بأن عليهم رسالة تاريخية جديدة تتناسب وضرورات الامم الاخرى التي لم تزل تنتظر من أوروبا أشياء كثيرة : قوانين وطموحات وحلول مشكلات ومشروعات تقدّم.. ويعتقد الفرنسيون أن الضرورة تقتضي ان يشاركهم كل من الألمان والانجليز والدنماركيين والطليان..

اذ ان مشكلات العالم البيئية ومجالات حفظ السلام وتحقيق العدالة وحقوق الانسان والامن والهجرة والقضاء على المجاعات وتحقيق الحريات واطفاء الديون واسكات الحروب والغاء عقوبة الاعدام واعلاء شأن الإنسان.. كلها مستلزمات لا يمكن حلها أبدا من دون الأوروبيين..

ويعتقد العديد من زعماء ومفكري اوروبا اليوم بأن لا مجال كي تفقد اوروبا الطموح والارادة الخلاقة والروح العالية، فذلك كله سر عبقريتها وقد ابتعدت عن الروح الاستعمارية المقيتة.. ولا يمكن السكوت والصمت على ما يجري في العالم، ولا يمكن أيضا البقاء في إطار الاستياء.. يقولون :

ان اوروبا الحديثة هي التي علمت العالم بعد ان تعلمت منذ قرنين كيف تقوم على الفلسفة المثالية والديالكتيك والتفكير البعيد والمناهج الإغريقية وشكوك ديكارت.. ويستطردون بأن الخلاص لا يمكنه ان يأتي الا على ايدينا ومن خلال مبادئنا ومصداقيتنا وأساليبنا.. ويختتمون أفكارهم اليوم بانتقاد أدبيات أميركية تنتقص من هذه العجوز المتصابية التي لم يعد بمقدورها ان تفرض افكارها التقليدية على العالم.. وخصوصا في ظل مرحلة العولمة!

نحن من طرفنا كآسيويين وافارقة، لا تظهر لنا أية دعوات او مشاريع ازاء هذا الصراع، بل ثمة تصريحات او بيانات لا تفي بالحاجة ابدا.. وينبغي القول ان كلا من الطرفين الأميركي والأوروبي لا يريد حتى الان اشراك غيره في صناعة العالم او في الصراع عليه.. ان الطرفين يهمشان كل العالم باستثناء التعامل على مستوى اقتصاد العالم وشركات عابرة القارات والعمالة الرخيصة.. وتعجيل التبادلات وتعديل ميزان القوى..

ويتخوف القادة الأوروبيون من القوى الجديدة المعجبة بالعولمة الأميركية وكل أساليبها ومتغيراتها، وهم ما زالوا يطالبون بالدفاع عن وظائفهم ونمو انشطتهم . نعم، إنهم يشعرون بأن تلك «العولمة» ستخضعهم من خلال سعي القوى الجديدة لتحسين كفاءتها في التقنيات والمنتجات الهائلة وبالاسعار المنخفضة، ان أوروبا العجوز تستميت في حماية نماذجها الاقتصادية وتطالب بالتجديد والبحث عن مصادر حيوية تؤهلها لذلك.. وهي لم تزل تتغنى باغنياتها القديمة على اعتاب حانة خشبية تعود الى العصور الوسطى.. في حين ان العالم كله يرقص على موسيقى صاخبة تنبعث من فوهات الزمن الالي الاسرع من الضوء!

الأوروبيون يواجهون لحظات تاريخية مهمة وهم يعتقدون أن العالم اليوم ليس كما يصوره الأميركيون كونه أحادي القطب، ولكن بنفس الوقت هو ليس متعدد الاقطاب كما يرون.. انهم يعتقدون بعدم امتلاكهم الوسائل الحقيقية لتأسيس سيطرة عالمية حقيقية، يجعل من العمل الدولي قاعدة اساسية لخدمة السلام والعدالة وتطوير تفكير العالم..

وانهم واثقون ان الولايات المتحدة الأميركية لا يمكنها ابدا ان تؤدي الدور لوحدها، ولا تستطيع البتة ان تضمن الحكم العالمي وتغدو كنترول العالم وتجربتها في العراق واضحة تمام الوضوح.. يقولون انها تجربة فضحت الرؤية الأميركية التي بشرّت بها في النظام العالمي الجديد منذ العام 1992!

ان المشهد اليوم والذي يقدّم رؤية عصّية لا يمكن للاوربيين ان يقفوا مكتوفي الايدي وهم يراقبون سيناريوهاته.. ضمن مجالات الخطر وخصوصا في العراق الذي يشهد تفككا داخليا مريعا، فإذا كانت اميركا قد افتقدت كنترولها على العراق وحده، فهل ما زالت تعتقد بأن سيطرتها باقية او موهومة ؟

ان الفرنسيين ـ مثلا ـ ينصحون بتقديم الارشادات من اجل تحسين الأحوال.. ويريدون فتح أبواب الإدراك بوضع تاريخ محدد لانسحاب القوات الاجنبية من العراق.. وان يسود العالم مبدأ احترام الهوية والسيادة وترسيخ المصالحة الوطنية، اذ باتت تلك المصالحة العراقية سببا في استتباب العالم او استمرار اشتعاله نظرا لقيمة العراق في الصراع الدولي والاقليمي معا.. وعليه، لابد من حوارات اقليمية ومؤتمر دولي من اجل العراق..

ولابد من إعادة حركة الأشياء في قطار مسرع جدا وهو بحاجة الى قضبان قوية.. ولكن أوروبا تريد ان تقبض الثمن أيضا، ليس بسبب خبرتها كعجوز في التاريخ، بل لحاجتها للبترول والتسويق والدورات الاقتصادية في سوق نخاسة هذا العالم . السؤال الاهم : هل يمكننا كمنظومة عربية وإقليمية معرفة أسرار اللعبة، وكيفية اختراق لعبة الكبار بذكاء وحذق ونحن على ركائز مشتركة ؟ إنني اشك في ذلك!

مؤرخ عراقي

www.sayyaraljamil.com