لماذا لا تتخذ روسيا دور معارضة لصالح الشعب الفلسطيني داخل «اللجنة الرباعية» الدولية مثلما تتخذ الولايات المتحدة دور محامي دفاع عن إسرائيل داخل هذه الهيئة؟، ولماذا تتبنى روسيا سياسة مهادنة ثابتة تجاه إسرائيل على الصعيد الثنائي؟
مثل هذه الأسئلة متداولة في الأوساط الشعبية في أنحاء الوطن العربي. ولكن على الشعوب العربية أولا أن تسأل أنظمتها الحاكمة لماذا يتعين على روسيا بوتين أن تكون ملكية أكثر من الملك وكاثوليكية أكثر من البابا، ومع ذلك فإن الموقف الروسي المتضامن نسبيا مع قضية المصير الفلسطينية غير قابل للمقارنة مع الولايات المتحدة التي تتعامل مع الشعب الفلسطيني كعدو ثابت ومع إسرائيل كشريك إستراتيجي مستديم.
هذا الأسبوع شن الرئيس الروسي فلا ديمير بوتين في مؤتمر دولي في ميونيخ هجوماً مكشوفاً وكاسحاً هو الأول من نوعه على الهيمنة الأميركية العالمية.
من الناحية العملية لا يعكس هذا الهجوم تغييرا حقيقياً في النهج الروسي الذي ابتدره الرئيس بوتين إزاء الولايات المتحدة وسياساتها وتحركاتها الدولية لكنها المرة الأولى التي يفصح فيها بوتين عن رؤيته على نحو صريح ومفصل.. وبأسلوب هجومي.
والسؤال الذي يطرح هو: هل بوسع قيادات النظام الرسمي العربي بما في ذلك القيادة الفلسطينية المتمثلة في السلطة الوطنية الفلسطينية أن تستثمر هذا التوجه الروسي لإقامة علاقة تعاون استراتيجي يمكن أن تساعد العرب في التحرر من إسار الإدارة الأميركية المتحيزة لإسرائيل؟
إن المشكلة الأساسية لدى الطبقة الحاكمة في العالم العربي هي أنها لا تتفكر في متغيرات العصر بعين الاستراتيجية بعيدة المدى. فعالم اليوم يشهد الآن بوادر تمرد سياسي واقتصادي على الأحادية القطبية المهيمنة بما يشي ببروز صورة جديدة قد تكتمل ملامحها خلال عقد أو عقدين، وهي صورة عالم متعدد الأقطاب عوضا عن عالم أحادي القطبية كما هو الحال الآن.
هذه هي خلاصة أقوال الرئيس الروسي بوتين.. وإذا كان استخلاص بوتين قد أصبح علنيا فإنه يتطابق مع استخلاصات مماثلة يطرحها خبراء غربيون بناء على ملاحظات تجريبية وتفيد أنه بالإضافة إلى روسيا فإن علامات التحدي الأولية على الهيمنة الأحادية الأميركية تصدر من حين لآخر عن دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي كفرنسا وأسبانيا وإيطاليا وعن اليابان التي تطالب فيها قيادات حزبية نافذة بالتحرر من الوصاية العسكرية الأميركية، والصين التي أصبح نفوذها في شرق آسيا يتهدد النفوذ الأميركي التقليدي في ذلك الجزء من العالم..
ومن ثم اتجهت الصين إلى الساحة الإفريقية حاملة أجندة البناء الاقتصادي في القارة السمراء كسلاح مضاد لأجندة «الحرب الأميركية على الإرهاب». ويقول خبراء غربيون في هذا الصدد أنه بحلول عام 2020 سيكون معدل دخل الفرد في الصين مساويا لمعدل دخل الفرد في الولايات المتحدة، ومن ثم يتخذ المعدل الصيني مسارا تصاعدياً بينما يواصل معدل النمو الاقتصادي الأميركي مساره الهبوطي.
وإذن فإن التساؤل الأخير هو: ألا يدرك العرب هذه المتغيرات ليتفاعلوا معها إيجابيا؟ وبما أن الأنظمة تدرك لكن ترفض تحرير إرادتها من الهمينة الأميركية فإن التساؤل موجه إلى الشعوب.