في مدينة دبي التي تجمع اليوم الكثير من المبادرات، عقد لقاء في نهاية الأسبوع الماضي. وهو اللقاء السنوي «لمنتدى التنمية» وهو منتدى ثقافي عمره بعد هذه الدورة يقارب الثلاثين عاما. أعضاؤه من أبناء الخليج بعضهم يأتي إليه كل عام منذ ذلك التاريخ البعيد، وبعضهم يتجدد بتجدد الأجيال.

هذا العام كان موضوع المنتدى التنموي «الإعلام في الخليج» وهو إعلام يستحق أن يتوقف عنده كثيرون لعدد من الأسباب منها أن معظم الثلاثمائة محطة تلفزيونية أو حولها، التي تملأ السماء العربية في منطقتنا إما هي منطلقة من نقطة في الخليج، أو هي ممولة بمال أساسه من هنا، أما العامل الثاني فان الإعلام بفروعه المعروفة المقروء والمسموع والمرئي وأيضا ما ينشر على الشبكة الدولية «الانترنت» يفتقد الثلاث مهمات الرئيسية وهي تحديد المهمة لهذا الإعلام.

ويفتقد الرؤية وأخيرا الأهداف المحققة. وكما هو معروف ليس هناك دعوة مجانية للطعام، ليس هناك إعلام ليس له هدف أو لا تضبطه ضوابط، إلا في منطقتنا التي يخلط إعلامها الحابل بالنابل. احد المتدخلين قال إن الإعلام الأميركي استطاع أن يقتلع احد رؤساء أميركا من على كرسيه، بإشارة إلى الرئيس نيكسون وفضيحة ووترجيت، وتناسى الزميل أن «الإعلام العربي» قد قتل رئيس جمهورية في حالة الرئيس السادات الذي قتله كتيب الفريضة الغائبة وقد قرأه فقط سبعون شخصا، كما أن الإعلام العربي قد قلب تنظيم دول، ولا حاجة هنا للإشارة إلى الأمثلة فهي أوضح من أن تعد.

الأوراق التي قدمت في اللقاء كانت أوراقاً مهمة قدمها مهتمون يحملون وجهات نظر، وهي متاحة للمهتمين على موقع المنتدى في الشبكة الدولية «الانترنت» وما احسب انه يحتاج إلى نقاش هو بخصوصيات الإعلام العربي ومنها الإعلام الخليجي.

أولا الحرية الإعلامية، جرى الحديث مطولا ومكثفا حول الحرية الإعلامية المتاحة في دول الخليج، وهي بالتأكيد متعددة التدرجات ومختلفة عن بعضها في دولنا، كما أنها مطلوبة لأية وسيلة إعلامية كي تقوم بالدور المنوط بها، ليس هنا الاختلاف في عموميات الطرح. بل الاختلاف هو حول سؤال ما علاقة الحرية بالمسؤولية؟

ذلك مربط الفرس. فالكثير من الدول المتقدمة في الشرق والغرب لديها مرجعية وطنية، عدا القوانين واللوائح والتعليمات والتوجيهات، هناك شيء آخر اسمه المسؤولية الاجتماعية لحماية شرائح المجتمع من الفضول الإعلامي أو استخدام الوسيلة الإعلامية للإضرار بآخرين دون وجه حق، وعادة ما تسمى بالثقافة السياسية السائدة. هذا الميزان يُفتقد على المستوى النظري والعملي في بلادنا.

فإما مطالبة «بحرية» مطلقة ولا مسؤولية بجانبها، أو رقابة صارمة تضع نفسها بديلا للإعلام وتقرر ما يجب أن يقرأ ويسمع ويشاهد المواطن، وإذا كانت رقابة الدولة قد تكون مفهومة لأسباب نشوء الدولة نفسها، فهناك «رقابة مجتمعية» صارمة يعاني منها الإعلام في دول الخليج وخاصة المكتوب، وتُعطل بعضه عن العمل المنتج أو الناجح، تقاوم التغيير باسم الحفاظ على القيم، وهي قيم خاصة بها وليست عامة في المجتمع.

لذلك فان الإعلامي الخليجي يقع بين شطيرتي «سندويش» هما الضغط من الدولة والضغط المضاد من شرائح في المجتمع تنصب نفسها دون وجه حق أو استنادا إلى قانون رقيب صارم على ما يكتب وينشر. الوسط الإعلامي في الخليج ليس به «وسط مهني» حي ومتفاعل فبين برامج الكم لا النوع، وغياب المعلومة والصراخ والشتم تضيع على المتلقي حقائق كثيرة.

سؤال مركزي آخر طرح في الندوة وأرى انه شرعي، وهو هل برامجنا الإعلامية «مرة أخرى المشاهدة والمقروءة وغيرها» هي استجابة لوسط اجتماعي يرغب بمتابعة الإثارة و«هشك بشك» وما «إلك الاهيفا» أو هي صراخ الديكة المتقافزين حول طاولة «الحوار» أي هل الوسائل الإعلامية تخلق الفرص وتهيئ الظروف لظهور ذلك الوسط الاجتماعي المفرغ من عقله؟ هذا سؤال يستحق المناقشة من الجميع.

ثم ما دور النخبة صانعة الإعلام، وهل في فضائنا الخليجي حقا «نخبة» بمعنى أنها مجموعة واعية تسير لتحقيق الأهداف التي ترغب في وصول المجتمع لها، أم هي جزء من كل يتلهى بلعبة اسمها «الإعلام » ؟ دون أن يكون خلفها فهم لما يجب أن يتحقق؟

في وقت تشهد فيه التقنية بشكل عام والتقنية الإعلامية على وجه الخصوص ما يمكن أن يسمى «بالثورة الثالثة» التي تستطيع أن تقدم لك المعلومة والخبر وأنت في أي مكان وفي أي وقت من النهار أو الليل، فالصورة والكلمة لا تحدها حدود ولا تقف أمامها عواقب أو «ممنوعات»، ما زال بعضنا يعتقد أن رفع الأسوار أمام الإعلام هو النجاح في منعه.

في الوقت الذي كلما ارتفعت الأسوار كلما صغر حجم «الدش اللاقط» وتعاظمت سرعة الانترنت وانتشرت. من الحسن التذكير أن مجتمعات الخليج قد سابقت نفسها في الحصول على آخر المقتنيات الموصولة بالإعلام الحديث، ولا تجد بيتاً أو عمارة إلا وعلى رأسها غابة من الصحون اللاقطة.

حقيقة أخرى هي أن الإعلام المقروء يحتاج إلى قُراء والإعلام المشاهد إلى مشاهدين والمسموع إلى مستمعين ! ترى ما هو حجم القراءة في مجتمعاتنا، وهل طلاب جامعاتنا يقرأون؟ وماذا يشاهد الجمهور مع وجود الآلة الصغيرة في يده لتغيير القنوات ولا يستقر على مشاهدة شيء جاد ومفيد؟ ثم لأي سبب تتكاثر قنوات التعليم وتبسيط العلوم في العالم، وتتكاثر في فضائنا العربي قنوات «الأغاني» فقط؟

باختصار هل يقدم لنا أعلامنا «تنمية» أم «تعمية»؟

كاتب كويتي