أنفقت الإدارة الأميركية على عملياتها العسكرية في العراق منذ الغزو نحو 400 مليار دولار فيما تستعد لإنفاق مئات المليارات هذا العام وحده. فاستنطاق أرقام الميزانية الأمريكية المقترحة لعام 2007 والتي كشفها البيت الأبيض الأسبوع الماضي يعكس حقائق صادمة ومحيرة فيما يتعلق بعمليات أمريكا العسكرية في العراق وأفغانستان.
فالميزانية الجديدة التي يبلغ حجمها 2.9 ترليون دولار خصص نحو ربعها أي 760 مليارا للإنفاق العسكري سيمتص العراق وأفغانستان منها نحو 235 مليارا. وهذا يعني ببساطة أن الأوضاع الأمنية في هذين البلدين قد خرجت عن نطاق السيطرة.
صحيح أن أمريكا دولة فاحشة الثراء وعظيمة القوة، ولكن ما ظلت تتكبده منذ زلزال 11 سبتمبر 2001 على هدفها الهلامي الذي أسمته "الإرهاب"، سيقوض أركان هذه الإمبراطورية إن عاجلا أو آجلا.
ويكفي النظر في التاريخ لندرك أن إمبراطوريات أعظم منها شأنا كانت ملء السمع والبصر أصبحت أثرا بعد عين، بعد أن أنهكتها الحروب والمطامع التوسعية. وإذا كان معلوما بلغة الاقتصاد أن هذه الأعباء العسكرية الهائلة تأتي خصما على الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية داخل أمريكا نفسها، فإن النتيجة الحتمية لضخ المزيد من الوقود في النيران المشتعلة سيدفع إلى زعزعة أسس دولة الرفاهية ومن ثم إلى تداعيها.
الرئيس الأمريكي جورج بوش قال وهو يقدم الميزانية الجديدة إن "موازنتي تستثمر موارد ضخمة لشن الحرب على الإرهاب وضمان حماية بلادنا ممن يمكن أن يلحقوا بنا الأذى".
ولكن هل سيجلب هذا الثمن الباهظ الأمن لأمريكا وقبل ذلك الحرية للعراق وأفغانستان؟ وإلى متى سيستمر هذا النزيف المادي؟ ولماذا ظل دافع الضرائب الأمريكي يلتزم الصمت 4 أعوام وهو يرى أمواله تستخدم لإذكاء نيران المحارق وقتل الآمنين في بيوتهم التي تبعد عنه آلاف الأميال؟ بل متى وكيف ستسترد أمريكا هذه التكاليف الكبيرة؟ إن هذه الأسئلة وغيرها تظل معلقة في فضاء الحيرة الفسيح لأن إدارة بوش نفسها لا تملك نصف إجابة عليها.