قررت حكومة أولمرت الاستمرار في الحفريات الجارية في منطقة باب المغاربة المتاخم للمسجد الأقصى، في القدس. ضربت بعرض الحائط كل الاحتجاجات والاعتراضات، التي توالت من المنطقة كما من العالم، حول ما تقوم به من أعمال تهدد الحرم القدسي الشريف؛ لناحية تعريض بنيانه للخطر، علماً بأن الذرائع التي أطلقتها لتبرير حفرياتها الملغومة، كانت واهية إلى حد أن أقرب المقربين منها، واشنطن، تعذر عليهم قبولها؛ ولو أنهم كالعادة، ابتعدوا عن إدانة مثل هذا الاعتداء المبطن، ولضمان مواصلة العدوان هذا، حشدت في المكان أكثر من ألف شرطي.

مهددة باستخدام القوة، كما حصل يوم الجمعة الماضي، ضد الفلسطينيين الذين رأوا، كغيرهم من العرب والمسلمين، أن مثل هذا الزحف تحت الأرض المغلف بالبحث عن آثار وبقايا وهمية يستهدف بناء الحرم للإطاحة به، فأعمال التنقيب وفتح الأقبية والأنفاق بجوار وتحت تخوم الأقصى ليست جديدة ومن زمان تمارسها إسرائيل، تحت ستار مزاعم خبيثة؛ أفصح عنها المتشددون اليهود الذين طالما زعموا بأن الأقصى تم تشييده فوق أنقاض الهيكل القديم وأن من حقهم إزالة المسجد لإعادة بناء المعبد اليهودي.

وما يجري عند باب المغاربة المتاخم للحرم، لا يبدو أنه يخرج عن هذا التوجه. فالتبريرات التي ساقتها الجهات الإسرائيلية المعنية والتي استندت إليها الحكومة لإعطاء موافقتها على الاستمرار بالعمل لا تصمد أمام التفنيد الذي ووجهت به، فحتى أحد علماء الآثار الإسرائيليين اعترف أمس بأن «الترميم الجاري في طريق باب المغاربة، غير شرعي وحصل من غير صدور التصاريح اللازمة التي تجيزه»، وأضاف بأن الحاجة «لا تستدعي الترميم كما لا يوجد مبرر لإنشاء الجسر المقرر بناؤه هناك».

واعترف أيضاً بأن لهذه الأعمال «تأثيراتها السلبية، على بنية الحرم القدسي»، يزيد من الخطر أن القائمين بأعمال الحفر يريدون مواصلته حتى بلوغ عمق 9 أمتار بغرض البحث عن بوابة باركليز المزعومة؛ باعتبارها مدخل الهيكل، ويبدو أن لهذا المشروع غرضا آخر لفت إليه أحد النواب العرب في الكنيست وحذر من خطورته، فالجسر الجاري العمل لبنائه يرمي إلى تسهيل عبور قوات الأمن والمتطرفين اليهود إلى باحة المسجد الأقصى.

منظمة اليونسكو لم تقتنع بالذرائع الإسرائيلية، سارعت إلى تحذير تل أبيب من أن ما تقوم به من شأنه (أن يطمس معالم تاريخية وأثرية ذات قيمة كبيرة وأن يضر بكل ما حول باب المغاربة).بالإضافة إلى كون هذه الحفريات حلقة في سلسلة محاولات وأعمال جرت عند تخوم الأقصى لزعزعة بنيانه؛ إلا أن توقيتها لم يكن أيضاً بغير غاية خبيثة أخرى.

فتفجير هذه القضية وتصعيدها بالتزامن مع لقاء مكة بين فتح وحماس وما تمخض عنه؛ يشي بأن إسرائيل أرادت ضرب عصفورين بحجر واحد: تكثيف الهجمة على المسجد وفي الوقت ذاته شن هجوم على الاتفاق الفلسطيني الجديد لإرباك الساحة وتأزيمها وإعطاء إشارة مبكرة بأنها عازمة على بذل ما أمكن للتخريب على اتفاق مكة، فهذا آخر ما تريده، قتال الاخوة ترك لها الساحة خالية وانطوى على إمكانية أن يؤدي بالنيابة غير المباشرة عنها، ما كانت تشتهي أن تحققه.

الآن مطلوب من الجانب الفلسطيني الرد على الاستهدافين، البداية معروفة وتتمثل بالإسراع في تتويج الاتفاق بحكومة وحدة وطنية، متماسكة، على قاعدة برنامج واضح. وبعد ذلك توحيد الجهود لمواجهة العدوان على الأقصى، مسؤولية مزدوجة وتاريخية على الفلسطينيين النهوض بها من دون تأخير.