«نحن نستخدم الثروة النفطية لخدمة الإنسان وبناء المدارس والجامعات والمستشفيات والطرق والتشجير وإقامة المزارع والمصانع التي أصبحت تنتج الكثير مما يحتاجه الشعب من غذاء».
هذه واحدة من مقولات كثيرة عن الثروة النفطية للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي كان يرى النفط نعمة من عند الله، علينا أن نحافظ عليها ونستغلها لما فيه مصلحة الوطن والمواطن، وأن نوجهها لخدمة حاضر ومستقبل الأمة لأن المال عندنا ـ كما يقول طيب الله ثراه ـ ليس غاية وإنما هو وسيلة لخدمة الشعب.
وانطلاقا من هذا المبدأ ذي البعد القومي والإسلامي والإنساني العميق جاءت مقولة سموه الشهيرة أثناء حرب أكتوبر المجيدة «إن البترول العربي ليس بأغلى من الدم العربي» صادقة ومعبرة عن هذا التوجه الذي يرى أن «البترول يشكل ثروة اقتصادية يستخدمها العرب من أجل التنمية والتقدم. وإذا تعرض العالم العربي لخطر الحرب فمن البديهي أن هذه الثروة هي وجميع الموارد الأخرى سوف تُعبأ للدفاع عن العالم العربي».
نستحضر هذه الأقوال والمواقف لمؤسس هذه الدولة ـ طيب الله ثراه ـ ونحن نستقبل الخبر الوارد إلينا من واشنطن حول إعلان أميركيين مناهضين للعرب والمسلمين داعمين لإسرائيل عن إنشاء أول محطة بترول في أميركا لا تبيع النفط العربي، ونقرأ عن حملة تدعو إلى إنشاء المزيد من محطات وقود السيارات لا تبيع ولا تستفيد من النفط القادم من الدول العربية تحت مسمى (نفط خالٍ من الإرهاب TERROR-FREE OIL).
تقول الحملة عن أهدافها إنها تكرس جهودها لتشجيع الأميركيين على شراء الوقود من دول لا تقوم بتصدير الإرهاب أو تمويله، وإنها تقوم بتثقيف الشعب الأميركي من خلال دعم الشركات التي تمتلك إمدادات من النفط الخام في دول خارج منطقة الشرق الأوسط، ومن خلال كشف الشركات التي لا تقوم بهذا. كما تسعى الحملة ـ حسبما تقول على موقعها الإلكتروني ـ إلى خلق جدل صحي فيما يتعلق بإيجاد أساليب بديلة لإنتاج الوقود واستهلاكه.
محطة تلفزيون NBC الأميركية التي بثت خبرا عن محطة الوقود هذه استضافت الناشط الأميركي «جو كوفمان» المعروف بولائه لإسرائيل فتحدث عن حملته ضد النفط العربي قائلا إنها تلقى نجاحا في أوساط الأميركيين العاديين الذين لا يريدون أن تذهب أموالهم إلى الدول العربية الخليجية المنتجة للنفط. وقال إن هناك أميركيين يقودون سياراتهم لمسافات قد تبلغ عشرين ميلا من أجل شراء وقود من هذه المحطة تفاديا لدفع أموالهم في نفط يأتي من الدول العربية الإسلامية.
سوف نحيل السيد كوفمان أولا إلى مقولة من المقولات الخالدة للشيخ زايد ـ طيب الله ثراه ـ عندما هاجم أسلاف كوفمان قرار قطع النفط عنهم عام 1973 واتهموا العرب بالابتزاز فرد عليهم سموه قائلا: «إن على هؤلاء الذين يصفون العرب بالابتزاز أن يعودوا إلى تاريخهم مع العرب ليجدوا أنه كان في مسلكهم ما يندى له الجبين خجلا. فقد كان العرب دائما وما زالوا أصحاب أخلاق ووفاء. وقد يرجع هؤلاء إلى أنفسهم ليقرأوا صحيفتهم مع العرب، وسيجدون أن العرب قد صبروا على الظلم طويلاً وأنه لا بد أن يكون للظلم نهاية».
وسوف نحيله ثانيا إلى مشروع الميزانية الأضخم في تاريخ العالم الذي قدمه رئيسه جورج بوش الأسبوع الماضي وهدد باستخدام الفيتو في حال رفض الكونغرس له، طالبين منه أن يلقي نظرة على المخصصات التي تضمنها المشروع لوزارة الدفاع بحجة شن حرب عالمية على الإرهاب، وضمان حماية البلاد ممن يمكن أن يلحق بالأميركيين الأذى. وهي حجة واهية أثبتت حتى الآن هشاشتها وفشلها بجدارة.
نحيله إلى مشروع الميزانية المقترحة ليعرف أن حفنة الدولارات التي سيدفعها المستهلك الأميركي في كل محطات البترول من شمال الولايات المتحدة إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها لا تساوي قطرة في بحر المليارات التي سينفقها رئيسه لتجنيد المزيد من القوات، والحصول على المزيد من السفن الحربية والمقاتلات للجيش الأميركي الذي يعاني من ضغوط سببتها الحرب المستمرة منذ أربع سنوات في العراق، وأن هذا سيكون على حساب الإنفاق في مجالات الصحة والتربية والإسكان التي سيتم خفضها، وهي التي تحظى بالاهتمام الأكبر عند الشعب الأميركي الذي هو واحد منه.
9,2 تريليون دولار هو حجم هذه الميزانية، خصص لوزارة الدفاع منها مبلغ 235 مليار دولار للنفقات العسكرية في العراق وأفغانستان فقط، إضافة إلى 481 مليارا لتغطية الزيادة في الإنفاق على العتاد، و7 ,141 مليارا لنفقات «الحرب العالمية على الإرهاب» خلال عام 2008 لتبلغ كلفتها الإجمالية 9 ,661 مليار دولار، فيما تم تخصيص 8 ,1 مليار دولار لوزارة الخارجية من أجل «تعزيز الديمقراطية في الخارج» حسب وثائق الميزانية التي جاءت في أربعة مجلدات خضراء كبيرة.
نقول للسيد كوفمان ومواطنيه من الأميركيين العاديين الذين يقول إنهم لا يريدون أن تذهب أموالهم إلى الدول العربية الخليجية المنتجة للنفط: خلوا دولاراتكم لكم، وإذا شئتم أضيفوها إلى المساعدة التي خصصها رئيسكم في مشروع ميزانيته لإسرائيل والبالغة 4 ,2 مليار دولار للعام 2008. ونقول لهم أيضا: وفروا على أنفسكم المليارات المخصصة من أجل تعزيز الديمقراطية في الخارج لأن ديمقراطيتكم التي تصدِّرونها هذه لم تجلب لنا ولكم سوى الخراب والدمار والحرائق التي نشرتها في كل بقعة من أنحاء العالم.
وبالأخص في شرق أوسطنا هذا الذي تسعون إلى مقاطعة نفطه ودعم الشركات التي تمتلك إمدادات من دول خارجه. وفروا على أنفسكم كل هذه المبالغ ووجهوها للإنفاق على مسائلكم ومرافقكم الداخلية بدلا من صرفها وتبديدها في حروب لم تعد عليكم حتى الآن إلا بالمزيد من قتل أبنائكم، وهدر أموالكم، واهتزاز صورتكم، والأهم من هذا كله جلب المزيد من العداوات لكم.
فلا الديمقراطية التي تزعمون أنكم تسعون إلى تعزيزها في الخارج قد انتشرت، ولا الأمن الذي تزعمون أنكم ستجلبونه للبلدان التي تحتلونها قد تحقق. لذلك نتمنى عليكم قبل أن تسعوا إلى توفير (نفط خالٍ من الإرهاب) أن تعملوا على تخليصنا من إرهابكم لأن الإرهاب لا يولِّد إلا إرهابا. وعندما تنجحون في ذلك سوف نحتفل معكم بولادة «عالم خالٍ من الإرهاب» نتطلع إلى العيش فيه أحراراً دون عداوات ولا عنصرية، ولا دول تعيش أحلام وأوهام الإمبراطورية.
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com
