(أنتم ـ الغربيين ـ أهنتمونا طويلا، وتعتبرون أنفسكم أوصياء علينا، وكنتم كذلك، لأن رئيس دولتنا كان يتعاطى الكحول، ومحيت شخصيته مع الزمن.. أما الآن فقد اختلف الوضع، رئيسنا يملك روحا حماسية، حسن السلوك، أعاد بناء روسيا، اختاره الشعب رئيسا حقيقيا في ظروف صعبة، وبانتقاده تنتقدون انبعاث نهضتنا). هذا ما قاله أحد الصحافيين الروس لإذاعة الموجة الألمانية في كولن.

الاتحاد السوفييتي السابق لم يسقط، إلا من حيث الشكل والتنظيم القديم، أما القوة فهي باقية وهذا باعتراف كثير من الساسة والمحللين الأميركان أنفسهم. والدليل ما يشاهد، من تحركات بوتين الصاروخية.

موسكو ما بعد الحرب الباردة خسرت الكثير في علاقاتها الدولية، وتراجعت مكانتها حد التدهور على الساحة الدولية. وخصوصا في فترة حكم بوريس يلتسين الذي تحولت فيها روسيا الاتحادية إلى دولة مافيا، مع انهيار الأمن وانتشار الفوضى، وخصخصة الاقتصاد عبر بيع القطاع العام بما هو ثروة قومية كبرى وهائلة القيمة إلى عصابات المافيا.

ومراكز قوى كانت على علاقة مع العراب بيرزوفسكي مع قدوم فلاديمير بوتين في عام 2000 تغير المشهد الروسي واستطاع ضابط الكي جي بي السابق، أن يعيد الهيبة للدولة الروسية وينشط الدور الروسي على الساحة العالمية.أول رئيس لروسيا، أو حتى للاتحاد السوفييتي، يزور المملكة العربية السعودية على مدى نحو ثمانية عقود، الأمر الذي يشكل مؤشرا جديدا ونوعيا.

غير أن تركيز السياسة الروسية في عهد بوتين، بدأت تضح ملامحه الواضحة على ثلاث دول رئيسية، هي مصر وسوريا والسعودية. آل بوتين على نفسه حين امتلك حقيبة الكريملين، أن يعيد للبلاد هيبتها المفقودة التي أهلكتها البيرسترويكا (إعادة البناء). فوصلت القاع في عهد يلتسين.

بوتين لم ينس أبدا تساقط الإمبراطورية حين كان يعمل في السفارة الروسية في ألمانيا. كما أنه صرح علانية، أن انهيار الإمبراطورية كان بحق كارثة. فلم يلام رجل، يحاول استنهاض الدب الروسي من سباته الشتوي الطويل؟ هل يريد بوتين التذكير بأن روسيا مازالت قوة عظمى؟

لا تزال روسيا الاتحادية لاعبا مهما على الساحة الدولية، وبالرغم من الخيوط الجيدة التي نسجها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الرئيس جورج بوش، إلا أن الهواجس السوداء، لا تزال تلقي بآثارها على صانعي قرارات السياسة الأميركية، فالمتتبعون لسياسة الرئيس الروسي خلال الفترات السابقة، يجد تحولا روسيا تجاه السياسة الأميركية في العالم، ويجد مواقف صلبة، ضد الولايات المتحدة في مجلس الأمن وإدانته الدائمة للتصرفات الصهيونية في فلسطين، ولبنان أيضا.

وهناك أمثلة كثيرة تدل على أن روسيا تعد العدة للرجوع بقوة إلى منطقة الشرق الأوسط، خاصة بعد حجم الصفقات التي عقدتها روسيا مع إيران بمليارات الدولارات وتزويدها بالمفاعلات النووية والأسلحة وأيضا تزويد سوريا بالأسلحة، وأيضا قامت الجزائر بالتعاقد مع روسيا في مارس 2006 على شراء صفقة أسلحة بقيمة 5,7 مليارات دولار ومصر أيضا تعاقدت مع روسيا في مجالات السيارات والأقمار الصناعية والأسلحة.

إن المسار الروسي المأخوذ عن الطريقة الصينية لبناء مجتمع لا يعني العودة إلى النظام السابق واحتكار الايديولوجية السياسية، انما تقليل (تخفيض) تأثير الممولين الكبار على أنظمة الحكم المختلفة ومؤسساتها وحصر نشاطهم. ويجب عدم نسيان أن إقامة علاقات جديدة بين الحكومة وكبار الممولين والصناعيين والمجتمع تتم ضمن ظروف انهيار الليبرالية الروسية. إلا أن هم بوتين هو إقامة ظروف طبيعية لتطوير البلاد.

الروس رغم أفول نجم إمبراطوريتهم لا يرغبون بمغادرة الساحة الدولية ويريدون البقاء كرقم بارز فيها، ورغم هزة التسعينات العنيفة، أثبت الروس أنهم يستطيعون أن يخرجوا من الأزمات ويربكوا مشاريع الخصوم، ويدعموا الحلفاء، ولهم حلم بالعودة إلى الساحة بقوة. وتجدر الإشارة إلى أن زيارة بوتين للمنطقة تأتي في مرحلة صعبة في تاريخ هذه المنطقة حيث يتدهور الوضع في العراق والمواجهات الداخلية بين الفلسطينيين التي كانت تهدد بالتحول إلى حرب أهلية واسعة النطاق.

وتزداد الخلافات والتنافس بين مركزي القوة في المنطقة ـ المملكة العربية السعودية وإيران. ومن المحتمل أن يناقش الرئيس بوتين هذه المسائل وغيرها مع المسؤولين في الرياض والدوحة وعمّان. ومن المعروف أن موسكو والرياض تنتقدان سياسة الرئيس الأميركي في العراق. فهل يمكن لزيارة الرئيس الروسي طرح مقترحات أو خطط جديدة لتسوية الوضع في العراق؟

مما لا شك فيه أن المحادثات ستتناول إدراج المملكة العربية السعودية في قائمة البلدان المهتمة في تنسيق مواقف منتجي الغاز في العالم لأنها تملك احتياطات كبيرة من الغاز الطبيعي، وتفعيل التعاون المشترك بين رجال الأعمال في كل من موسكو والرياض، وزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين.