انشدت خلال هذا الأسبوع أنظار العالم إلى اللقاء التاريخي في مكة بين حماس وفتح بعد أن تسبب الاقتتال الدموي بينهما بسقوط ما يقرب المائة قتيل وعشرات الجرحى «فشعر الشعب الفلسطيني والعرب والمسلمون بالأسى لتحول الجبهة الداخلية إلى هذا التردي وهذا التفكك بدلا من تقوية تلك الجبهة على أسس متينة وفهم معنى التحالفات في مواجهة الاحتلال.
ولكن النوازع لاقتسام السلطة والاستفراد بها لا تزال تعشش في الطرفين ذهنية وطبيعة الفصائلية وروحها مما خلق سياسات متنافرة ومتباينة بين الرئيس ورئيس الحكومة حول سياسات عديدة هو كيفية إدارة السياسة الخارجية واحترام المواثيق والعهود الدولية، ومن جانب آخر لم يحافظ الطرفان في ظل سلطتين من الناحية العملية على إدارة الوضع الداخلي بحنكة وضوابط من خلال الانفلات الأمني الذي كان نتيجة طبيعية لرغبة كل طرف في تسيير الوضع برؤية مختلفة.
وبدأ التراشق باللسان إلى أن تطور بالصدامات الخفيفة فسقط من جرائها القليل. ولكنه في شهر يناير من العام دخل رقم الضحايا حجم الكارثة بين تنظيمين سعيا طوال تاريخهما السياسي أن يوجها البندقية إلى صدر الاحتلال، ويبدو أن مذاق السلطة كان مهما لحماس التي وجدت نفسها في مواقع القرار.
بينما شعرت فتح أنها بعد انتصار حماس الانتخابي تمضغ مرارة الخسارة، فوجدت في الضغوط الخارجية ذرائع لإفشال السياسة الداخلية وربطها بممارسة السياسة الخارجية، هذا التناقض كان من طبيعة المهمات في تركيبة السلطة الفلسطينية فهناك سلطات محصورة بيد الرئيس وسلطات محصورة بيد رئيس الوزراء الجديد المنتخب الذي حاول منذ اعتلائه السلطة التحصن بواجهة أمنية في موازاة القوة الأمنية التي بيد الجهة المقابلة في ظروف حصار اقتصادي بدأ العالم الخارجي يطوق به السلطة الجديدة بتشكيلها الثنائي المتنافر.
دون شك ضرب العالم الخارجي مع الدولة العبرية نطاقا واسعا ومكثفا من الحصار المالي والعسكري على سلطة فتية تتطلع إلى التحرر من ربقة الاحتلال، وأعطت الولايات المتحدة الضوء الأخضر لإسرائيل بمواصلة العربدة في الأراضي المحتلة في وقت تطلق التصريحات والوعود بضرورة وجود دولتين، وتقاسم الثنائي الانجليزي والأميركي سيمفونية الوعود والأمل بوجود دولتين، بيد أن الطرفين لم يضغطا بصورة جدية على ممارسات إسرائيلية رعناء.
وقد قدم العرب الكثير من المبادرات بما فيها مبادرة الملك عبدالله عاهل المملكة العربية السعودية في مؤتمر القمة العربية في بيروت ولكنها تجمدت في الأدراج. في ظل تلك الممارسات الميدانية الإسرائيلية كان لدى الجانب الفلسطيني شعور مرير بالإحباط لعدم تحقيق حلم الدولة.
في ظل تلك الحقائق التاريخية المهينة والمؤلمة لشعب ينتهك ويحاصر يوميا كان قدر هذا الشعب أن يتقاتل فيما بينه، فأحيت تلك الأحداث والاعتداء على لبنان في الصيف الفائت المبادرات العربية وفي مقدمتها المبادرة السعودية بما فيها المبادرة في جمع الطرفين في مكة المقدسة، تطالبهم بتسوية الصراع بالحوار السياسي وبضرورة الوحدة الوطنية وتقاسم السلطة باعتبار أن التناقضات الأساسية هي بين الاحتلال والشعب الفلسطيني وتبقى كل أشكال الاختلافات بين الفصائل ثانوية، فذلك نجاح للعدو في تفكيك المقاومة ووحدة الشعب الفلسطيني.
لهذا لا ينبغي أن يفرط الفلسطينيون بوحدتهم وجبهتهم الداخلية والعمل بدبلوماسية هادئة ومرنة مع العالم الخارجي من اجل انتزاع الاعتراف المشروع بحقهم ببناء دولتهم الوطنية. وهناك من التجارب التاريخية مايوضح كيف تمكنت الشعوب في مواجهة الاحتلال من بناء جبهات داخلية متماسكة على أساس من الائتلاف الوطني بهدف انجاز مشروع حركة التحرر الوطني والانتقال إلى مرحلة جديدة، وسيحاول العدو الإسرائيلي خلخلة تلك الوحدة الداخلية الصلبة، والتي عليها أن تكرس عمليا بناء وعي وطني في المرحلة بدلا من غرس روح الفصائلية والإقصاء.
ومن ضمن هذه التوجهات محاولة توسيع الجبهة الداخلية بإشراك كل القوى الفلسطينية بدلا من تهميشها حتى وان بدت صغيرة ومحدودة، والتي برهنت فعلا فترة الاقتتال أنها قوة حقيقية بتنظيمها الشارع في تصديه لتلك الممارسات العنيفة بين الشعب الواحد وانحراف بندقيته عن الهدف الحقيقي، العدو والاحتلال.
ومن المعلوم أن الضغوطات الخارجية والإسرائيلية ستتواصل بهدف تفتيت تلك الوحدة وإفشال بيان مكة كمشروع تاريخي لوحدة الشعب الفلسطيني في ظروف الاحتلال، والأكثر أهمية إدراك الشعب قبل قياداته السياسية أن الدخول في صراعات جانبية ليس من طبيعة المرحلة السياسية في تركيبة سلطة متحالفة تقوم على الاقتسام والشراكة أكثر منها على الانسجام الكامل في الرؤى في جميع القضايا الداخلية والخارجية.
ولكن المرحلة تقتضي فهم متطلباتها والتعامل معها بكل مرونة ومبدئية، ومن أهمية ذلك التحالف والتقاسم فهم مهمات كيفية إدارة السلطة الفلسطينية فليس كل ما يكتب ويوقع على الأوراق يتم احترامه دائما فالمهم كيفية اجتناب الاقتتال الداخلي عن طريق بناء الثقة بين الأطراف وبأنها تحمل بندقية فلسطينية مشتركة في مواجهة عدو واحد، وبان بيان مكة التاريخي يحتل الأولوية لكي ينجز برنامج التحرر الوطني وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة.
ومع اقتناع الجميع بضرورة حكومة الوحدة الوطنية وتقاسم المهمات ووحدة الجبهة الداخلية كضرورة تاريخية ونضالية، فان التعامل مع الجبهة الخارجية ليس اقل أهمية وضرورة من الجبهة الداخلية، فهما مترابطتان في مهماتهما من حيث المناورة والتفاوض شريطة الحفاظ على الثوابت، فبعد اتفاق مكة يصبح لدى العرب والعالم حقائق ينبغي التحرك في اتجاهها وهو إقناع العراب الأميركي بجدية وضرورة المفاوضات حتى وان كانت من وراء الكواليس للضغط على الحليف التاريخي، وإجباره على القبول بحقيقة تاريخية وهي أن الشعب الفلسطيني مثل كل شعوب العالم من حقه بناء دولته والعيش بكرامة وسلام .
وان مواصلة الطرفين سياسة المواجهة العنيفة لن يجدي فمعنى ذلك أن إسرائيل ستمارس سياسة دولة اسبرطة وبعقلية الإبادة الجماعية لشعب يقتل بدم بارد، في وقت يشاع أن عصرنا عصر حقوق الإنسان والشعوب، مما يدفع كل إنسان ونظام بضمير حي أن يتحرك ويلعب دورا فاعلا من اجل تسوية تلك القضية التي دام صراعها وقتاً طويلاً وكانت سببا للصراعات العربية ومحورا من محاور حروبها المباشرة وغير المباشرة. وتقدم لنا تجارب حركات التحرر الوطني أنه لا يوجد شعب أنجز مشروعه الوطني، وجبهته الداخلية غير موحدة.
كاتب بحريني