لم يكن من الإنصاف أن ينعي البعض حوارات العمل الفلسطيني بين حركتي حماس وفتح واتفاق مكة الأخير يثبت صحة ذلك، لكنها بالمقابل كانت حوارات تدور حول ذاتها دون أن تقدم خطوات ناضجة أو نتائج ملموسة تثير ارتياح الناس في فلسطين، ومن هذا المنطلق، كادت أن تنهار آمال المتفائلين الباحثين عن مساحات التقاطع المشتركة، مع اقتراب الساحة الفلسطينية قبل اتفاق مكة، مراراً من شفا هاوية النيران الداخلية التي انتشرت كالنار في الهشيم جراء استمرار التباينات الداخلية.
لقد عاش الفلسطينيون في الداخل، في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس ومازالوا، رغم الاتفاق المبدئي الذي تم في مكة المكرمة، تحت وطأة ظروف القهر الاقتصادي ومصاعب الحياة اليومية جراء حصارات الاحتلال الاسرائيلي، وارتياح حكومة ايهود أولمرت من اتساع هوة التباين الفلسطيني / الفلسطيني الداخلي على الرغم من الأزمات التي تعانيها بدورها حكومة وائتلاف ايهود أولمرت.
فحكومة ائتلاف عتاة اليمين الصهيوني في حزب كاديما مع (اليسار الصهيوني ) في حزب العمل ترقص طرباً وفرحاً مع كل نشوب لعمليات الاقتتال الداخلي الفلسطيني الفلسطيني، وتستغل الصور المأساوية اياها للتبجح أمام العالم والقول بأن الفلسطينيين ( شعب لايستحق الاستقلال التام دون سطوة الدولة العبرية الصهيونية ).
ان الأوضاع الفلسطينية حتى الآن وبعد اتفاق مكة لا تزال قلقة ومرهقة اذا ما استمرت الأمور على ماهي، فالحصار الذي يتعرض له الفلسطينيون في الداخل لاحداث الانقلاب على الأوضاع الفلسطينية والاطاحة بالوضع الداخلي، ودفعها اما نحو التقولب مع المسعى السياسي الاسرائيلي الأميركي أو دفعها نحو اتون الدمار الداخلي. ومن هنا أهمية التصدي الديمقراطي ( نعم الديمقراطي ) وتقليم انياب الأدوات الاستعمالية في البيت الفلسطيني التي تعمل على حقن وتوتير المناخ الداخلي كي تتجاوب بشكل أو بآخر مع الطروحات السياسية الأميركية.
وحتى لانغرق في تفاصيل واسعة هنا وهناك، ومن منطلق الحرص والمودة، فإن القفز عن لغة المجاملات بات ضرورة بعد اتفاق مكة في تحقق واستمرار الشفافية وانفتاح الحوار المنشود بين القوى الفلسطينية، وليس فقط بين حركتي حماس وفتح باعتبارهما القوتين الأكبر في البرلمان الفلسطيني في الداخل، وعليه يمكن أن نقول بأن حركة حماس أمام أسئلة حاسمة تنتظر منها الاجابات الواضحة، وأهم الأسئلة يتكثف حول النقطتين التاليتين :
مسألة إحياء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية على أساس برنامج جديد للاجماع الوطني يتوالد في سياقات الحوارات المنشودة إلى جانب مختلف ألوان الخارطة السياسية الفلسطينية. والقفز عن خطابات «اقتسام الكعكة» في البيت الفلسطيني، الذي تعودنا عليه في الساحة الفلسطينية ردحاً طويلاً من الزمن، وبالطبع دون اغفال حضور وأوزان القوى على أرض الواقع والتمييز بين القوى المجهرية ذات الحضور المتواضع والقوى الفاعلة الأوسع نفوذاً.
مسألة التجاوب الواقعي الممكن مع حيثيات الوضع السياسي واشتقاقاته البرنامجية على أساس من ادامة التحشيد الدولي إلى جانب الشعب الفلسطيني خصوصاً مع القوى المؤيدة تاريخياً لنضال الشعب الفلسطيني كروسيا وجمهورية الصين الشعبية، وفرنسا ومعها غالبية دول الاتحاد الأوروبي التي اقتربت خطوات معقولة نسبياً من حركة حماس على ضوء التصريحات الايجابية ذات البعد السياسي التي أطلقتها الأخيرة، وأوصلتها إلى قصر الكرملين في موسكو، وسهلت أمامها سبل الحوار الناشط في القنوات الخلفية مع بعض دول غرب أوروبا الخ.
بالمقابل، ان على حركة فتح القبول جوهريا وليس تكتيكياً بمبدأ «التبادل السلطوي والتشارك» الديمقراطي نزولاً عند استحقاقات النتائج التي تمخضت عن انتخابات المجلس التشريعي ومتغيرات الخارطة السياسية الفلسطينية، والنزول من علياء «شجرة المكابرة » إلى أرض الواقع، ووقف حالات التذمر داخل بعض الأطر الفتحاوية، التي مازالت تعتقد بأحقية حركة فتح دون غيرها في قيادة وانجاز البرنامج الوطني.
والانطلاق الفعلي نحو إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وبث الروح داخل مؤسساتها المعطلة عملياً منذ عقد ونيف من الزمن عبر حوار جدي مع كل القوى السياسية الفلسطينية تنتفي من خلاله الألاعيب السياسية التي مازالت تضع الساحة الفلسطينية على كف عفريت. فحركة فتح تتحمل في هذا المجال مسؤولية كبرى باعتبارها كانت ومازالت القوة الرئيسية صاحبة النفوذ الأول في إطار منظمة التحرير ومؤسساتها الوطنية منذ العام 1968.
ان القناعة السائدة لدى أصحاب المواقف المتزنة والعاقلة تؤكد للمرة الألف بأن طريق الوحدة الوطنية الفلسطينية، يتعبد بالتوافق الوطني الشامل على أساس من مساحات التقاطع المشتركة التي يمكن أن تسهم بانجازها القوى الرئيسية في اطار منظمة التحرير الفلسطينية كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة مؤسسها الرمز التاريخي الدكتور جورج حبش ومنظمة الصاعقة والجبهة الشعبية -القيادة العامة .
إضافة إلى حركة الجهاد الإسلامي، فالخيارات المتاحة ليست واسعة وأفعلها يكمن في التوافق الفتحاوي الحماسي في زواج كاثوليكي لإطلاق ولامفر منه. وعليه، فإنه مطلوب من الحركتين بعد اتفاق مكة المكرمة تقديم خطاب سياسي جديد ولخطاب داخلي متوازن يمثل نقطة الانطلاق في التوصل لعملية التوافق الداخلي. وبغير ذلك فإن سحب التشاؤم ستبقى تفرض نفسها فوق سماء فلسطين، مثلما كانت قبل اتفاق مكة، وسيكون الشعب هو الخاسر الأكبر.
فالخطوات الشجاعة تنتظر الرئيس محمود عباس الذي أصر على ديمقراطية الانتخابات التشريعية التي جرت في الخامس والعشرين من يناير من العام الماضي، كما على حركة حماس مواصلة خطواتها السياسية البراغماتية وتوسيع دائرة المشاركة بين الجميع ليس فقط على صعيد حكومة الوحدة الوطنية وإنما على صعيد جميع المؤسسات الفلسطينية وذلك منعاً لتكرار حالات السخط التي قد تنتاب بعض القوى.
ان الناس في فلسطين والشتات أصابهم الكثير من الضرر جراء دوامة الخلافات والتباينات الفلسطينية تحت قرقعة السلاح وكعوب البنادق وأصوات الشعارات المجانية اللامسؤولة التي شهدتها الساحة الفلسطينية قبل اتفاق مكة، كما سبق وأن عانى الشتات الفلسطيني ودفع الثمن في سعير عمليات الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني في المرحلة اللبنانية من الوجود الفلسطيني المسلح خصوصاً بين أعوام 1983 ـ 1988 .
حيث خسر الجميع في نهاية المطاف الخسائر الصافية التي ساهمت في إدامة حالات الانقسام الفلسطيني آنذاك،... فهل سنرى بصيص النور الذي انطلق من مكة يتواصل ويكبر عبر إعادة بناء العقد الوحدوي بين الجميع والقبول باستحقاقات ثقافة الديمقراطية التي يتوق الفلسطينيون في الداخل والشتات لممارستها دون تسلط «الحسيب والرقيب»... لننتظر بكل تفاؤل، فالأيام المقبلة تبقى حبلى بالكثير من الأمل والنور .
كاتب فلسطيني ـ دمشق