بعد ما يقرب من الأربع سنوات العجاف على الشعب العراقي والمنطقة المحيطة بالعراق عقب الغزو والاحتلال الأنجلو ـ أميركي تأتي الخطة العسكرية الأمنية الجديدة لتأمين ما عجزت عنه الخطط السابقة المتتالية وتبذير المليارات من الدولارات لإنجاح أي منها.
لم تنجح الحكومات العراقية المتعاقبة برعاية الاحتلال في تأمين الحد الأدنى من التفاهم بين مكونات الشعب العراقي العرقية والعقائدية والسياسية، وأصبحت حكومة العراق الجديد دمية تتوخى بكل حذر تطبيق رؤى الإدارة الأميركية السياسية. رأس الإدارة الأميركية للرئيس بوش من النوع المغامر سياسياً وعسكرياً ولا يمتلك رؤية واقعية وأثبت للعالم أن لا اعتبار لديه لكثرة الأرواح البشرية المهدرة ولا لأنهار الدم التي تسيل في شوارع البلدات العراقية التي تصطلي بنار عتاد الآلة الحربية الأميركية.
الخطة الأمنية الجديدة في أغلبها عسكرية حربية تعتمد اقتحام وتفتيش البيوت وغرف النوم والأزقة والساحات الداخلية والتحقق من خلو أبدان الرجال والنساء والشباب والأطفال من أي خطر يتهدد أجهزة الحكم الأمنية والاحتلال الداعم لها.تغفل الخطة الأمنية بشكل واضح الجوانب السياسية والاجتماعية والإنسانية البالغة التعقيد والمتفاقمة.
لكن باستطاعة الثنائي الحربي الانتقامي «بوش ـ المالكي» توفير الجهود والأرواح والممتلكات إذا ما عملا على إيجاد صيغة حقيقية للمصالحة القائمة على التفاهم والتعاون بين القيادات المحلية الفاعلة وتوزيع المسؤوليات على الجميع. لماذا يحتاج العراق الآن إلى أكثر من 200 مليار دولار لاستمرار تمويل الحرب فيه والتي من المفترض أنها قد انتهت قبل ما يقارب الأربعة أعوام؟! ولماذا تستخدم أرض العراق كقاعدة انطلاق لتهديد السلام الإقليمي والدولي؟!.
ظهرت بوادر الخطة الأمنية الجديدة في المناطق الجنوبية للعراق حين أقدم الجيشان الأميركي والعراقي العتيد على ضرب أهالي قريتين، «الزركة والسمرة»، وإبادة جل من فيهما من الرجال بدعاوى متناقضة وغير مقبولة عند كل ذي حِجر.
بالتوازي مع استباحة أهالي القريتين كان فقراء شارع حيفا وسط بغداد يُعاملون بشتى أنواع القصف المدفعي والجوي وأعمال القنص بحجة تطهير المنطقة من «الإرهابيين»، تعبير يطلق في كل مرة عند ارتكاب فظاعة جماعية حاشدة ضد حقوق الإنسان العراقي تحت الاحتلال.
في ذلك يشتد أزر الجيش العراقي الجديد من خبرة الجيش الأميركي العريقة في ارتكاب الخروقات ضد حقوق الإنسان عبر التاريخ القديم والحديث، من اليابان وكوريا وفيتنام وانتهاءً بالبلدات العراقية في كل أنحاء العراق. يا نار كوني برداً وسلاماً على البلدات والأحياء الشعبية العراقية التي يتم إنذار أهلها بقرب دخول قوات الاحتلال والحكومة الموالية إليها بعد فرض حصار فولاذي ناري واقتصادي تجويعي خانق للأنفاس عليها.
لم يتعلم المالكي الكثير من تجربة سلفيه في الحكم إياد علاوي وإبراهيم الجعفري. إبان فترة رئاسة الدكتور علاوي للوزراء دمر الجيش الأميركي مدينتي النجف جنوب العراق والفلوجة في الغرب بحجة فرض القانون والنظام والقضاء على المقاومة العراقية للاحتلال.
وإبان فترة تولي الدكتور الجعفري لرئاسة الوزراء دمر الجيش الأميركي مدينة تلعفر في الشمال وألحق أضراراً فادحة بالمدن الأخرى مثل الرمادي والقائم والخالص في وسط وغرب العراق، لدعم السلطة وفرض هيبة الحكم. لكن العنف والمقاومة كانت في ازدياد مطرد ليس فقط ضد الاحتلال ولكن أيضاً ضد الحكومة التي تعمل لمسايرة أجندة الاحتلال وترجمة استراتيجيته على أرض الواقع. يكرر المالكي أخطاء سلفيه وبشكل موسع هذه المرة مما يؤدي فقط إلى تضخيم الأمور وزيادة تعقيدها ووضع كل منها في نفق طويل مظلم.
من المثير للاستغراب أن تستمر إدارة بوش والأبواق الدعائية التابعة والمنتشرة عبر العالم في التبجح بإقامة الديمقراطية في العراق، ديمقراطية الفوضى الدموية والدمار الشامل لعموم العراق. كيف لأبعد الناس عن الديمقراطية الحقيقية من المحافظين الجدد في إدارة بوش بالتنسيق مع زعماء الطوائف والأحزاب العراقية المخلّدين في مناصبهم الطائفية والحزبية أن يتشبثوا بشغفهم في نشر الديمقراطية؟!
مهما كلف ذلك الشعب العراقي الثمن من دماء وأرواح وممتلكات. من مدينة دهوك في شمال العراق إلى مرفأ الفاو في أقصى الجنوب العراقي لم يظهر ذلك الزعيم العراقي الديمقراطي الحقيقي القادر على قيادة سفينة العراق الواحد الموحد الآمن إلى بر الأمان. لا بل، وكما كان متوقعاً، انتشرت الفوضى الاجتماعية وظاهرة الميليشيات وفرق الموت الإرهابية.
يجيد بوش اللعب على أحاسيس الطوائف والاثنيات المختلفة بعد إثارة الفتن الدموية بينها. يضرب الجيشان الأميركي والعراقي الحليف كل الطوائف بنفس القسوة والهمجية حتى لا تحسد طائفة الأخرى على نصيبها من القتل والقمع والإرهاب والدمار. بسبب اشتداد الفتنة المستعرة بينها ستنتظر الطوائف العراقية أفواج جيشي بوش والمالكي بفارغ الصبر لإلحاق ضربة عسكرية مناسبة بطوائف أخرى متنافسة معها، مذهبياً ودينياً وعرقياً وسياسياً.
مع استمرار عملية الشحن الطائفي والمذهبي في العراق وخارجه سيغمد بوش سيفه في «رقبة» كل طائفة ولن يجد من الطوائف المتناحرة الكثير من المعارضة أو اللوم أو حتى التأفف. حتى الآن لم يختلف تعامل بوش مع كل طوائف الشعب العراقي عن تعامل الجزار مع الحيوانات اللاحمة في أحسن الأحوال. في ذلك يبدو أن بوش يستفيد جيداً من طبيعة المجتمع العربي ذات الصبغة القبلية لأغراضه الميدانية.
هنالك سيل من الأسئلة تطرح نفسها على السياسيين والقادة العراقيين؛ ما الذي فعلوه طوال ما يقارب الأربع سنوات لحقن دماء الشعب العراقي المسكين؟. في شمال العراق يقوم القادة السياسيون هناك بكل ما يستطيعون لفصل شمال العراق عن الدولة، عرقياً وثقافياً وسياسياً، عن طريق اللعب على وتر الاختلافات العرقية. مدينة كركوك العراقية قُسّم أهلها إلى عرب وتركمان وأكراد وآشور وكلدان منذ بدء الاحتلال وأُدخلت الفتنة العرقية إلى بيوت أهلها ودُمرت صيغة التعايش السلمي الطبيعي بين الأفراد والجماعات فيها.
في بغداد العاصمة تم تمزيق النسيج التكاملي السلمي بين طوائف وفئات الشعب العراقي بسبب امتلاك القادة السياسيين ميليشيات حزبية وفرق موت وبلطجة تمارس إرهاباً على مدار الساعة تشمل كل فئات الشعب العراقي. في جنوب العراق يستمر الشحن الطائفي المؤدي فقط إلى إثارة النعرات المذهبية الطائفية بشكل يجعل التعايش بين أبناء الضاحية والحي الشعبي الواحد من الهشاشة بمكان مما يؤدي إلى تفاقم عمليات التطهير المذهبي الفئوي.
ما كان يعرف بالعراق الواحد الموحد أصبح اليوم مجموعة لا حصر لها من الدويلات والكيانات المتصارعة فيما بينها حتى كسر العظم. بالنتيجة فقد أدى استفحال ظاهرة الفوضى والاقتتال الاثني في العراق إلى فتح الباب على مصراعيه أمام الأطماع الإقليمية والدولية في العراق أرضاً وشعباً.
في العراق تُثبت تجربة نقل الديمقراطية فشلها باستخدام الطرق العسكرية. لا يمكن لإدارة من مثل إدارة بوش المحافظة أن تكون تواقة بشكل حقيقي لنشر الديمقراطية في بلد آخر. لا يتمتع بوش بالحد الأدنى من الفكر الديمقراطي السليم لينشره خارج مكتبه البيضاوي؛ بات أعوان بوش وأنصاره أقلية ويتناقصون باستمرار بسبب تكرار مآسي أخطائه.
لا توجد مصلحة للإدارة الأميركية في انتشار الديمقراطية في أي مكان من العالم؛ على من يجهل ذلك أن يدرس ما يجري للديمقراطية الفلسطينية تحت الحصار الأميركي ـ الإسرائيلي. الديمقراطية الحقيقية تأتي عن طريق انتزاع الشعوب حقوقها بيدها في الحرية والسيادة وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة وحقوق الإنسان.
من الأفضل للرئيس بوش أن يعود أدراجه بديمقراطيته «المجوقلة» وآلته الحربية الفتاكة والتي لم تجلب للعراق والمنطقة إلا الفتن طويلة الأمد والدمار الاستراتيجي الشامل. بات على الشعوب أن تصرف عشرات السنين القادمة من حياة أجيالها قبل أن تتمكن من التخلص من الواقع المتأزم الذي أوقعها الاحتلال الأنجلو ـ أميركي فيه، بعنجهية وخبث وحقد تاريخي دفين وعن تخطيط مبيت وسبق إصرار.
جامعة الإمارات العربية المتحدة