تعتبر حقوق الفرد من القضايا المحورية التي تشغل بال المجتمعات الإنسانية عامة، وذلك لأن أمور المجتمع لا تصح إلا حين يشعر أفراده وجماعاته بالرضا عن أحوالهم المعيشية، ومواقعهم المجتمعية، وحصولهم على حقوقهم كاملة. لكن حق الفرد وحقوق الجماعة لا تخضع لقاعدة واحدة في كل المجتمعات.

وذلك بسبب تباين الثقافات بين مجتمع وآخر، وتباعد التجارب التاريخية للشعوب والأقليات الإثنية، وتنوع المكونات الثقافية والعرقية والدينية للمجتمعات المختلفة. وهذا يجعل ما قد يقبل به الفرد العادي في مجتمع ما لا يقبل به فرد آخر في مجتمع مختلف، وأن ما تطالب به جماعة معينة في مجتمع ما، قد تعتبره جماعة أخرى خروجا على التقاليد والأعراف المرعية ولا يجوز الحديث عنه.

بناء على ذلك، يصبح من غير الممكن الحديث عن حقوق الفرد في المجتمع دون الأخذ بعين الاعتبار طبيعة الثقافة الشعبية السائدة، والتقاليد المجتمعية المتعارف عليها، والتجارب التاريخية للمجتمع ولمكوناته العرقية وغير العرقية. إلى جانب ذلك، لا بد من التعرف على المرحلة الحضارية التي يمر بها المجتمع المعني، وذلك لأن التطور الحضاري يؤثر بشكل كبير على الثقافة السائدة، والتي تعمل بدورها على تشكيل نظرة المجتمع للفرد بوجه عام.

وتحديد موقعه من المؤسسات السياسية وغير السياسية المهيمنة على حياة المجتمع بوجه خاص. وعلى سبيل المثال، بينما تسود روح الجماعة في المجتمعات الزراعية والقبلية عامة، تتصف المجتمعات الصناعية والمعرفية بسيادة الروح الفردية، وبينما تعطي المجتمعات الشرقية أهمية كبيرة لمصالح المجتمع والجماعة على حساب مصلحة الفرد، تعطي المجتمعات الغربية أهمية أكبر لمصلحة الفرد على حساب مصالح الجماعة.

يعتقد البعض أن الحقوق العامة للفرد، والحقوق الخاصة للأقليات العرقية والدينية والثقافية يمكن التعامل معها وتعريفها وتنظيمها من خلال سن القوانين التي تضمن لهؤلاء حقوقهم وتصون لهم كرامتهم وتتجاوب مع طموحاتهم. إلا أن القانون، وعلى الرغم من أهميته في تحديد حقوق وواجبات الأفراد والجماعات والمؤسسات العاملة في المجتمع، تخضع صياغته لاعتبارات ثقافية وعقائدية وذاكرات تاريخية جماعية تحد من قدرته على القيام بالدور المنوط به في تنظيم حياة الناس.

وفي الواقع، لا يستطيع القانون بحد ذاته ضمان التزام المجتمع والدولة باحترام حقوق الفرد والجماعة، ولا يتكفل بقيام الفرد والجماعة بواجباتهم تجاه الغير والوطن، إلا بالقدر الذي ينسجم فيه القانون مع الثقافة السائدة، وقدرة تلك الثقافة على وعي الدور المجتمعي للقانون وثقتها به.

وهذه قضايا ثقافية تحددها العادات والتقاليد والمعتقدات المتعارف عليها أكثر مما يحددها النظام والقانون، مما يجعل من الصعب تعامل القانون مع حقوق الفرد والجماعة بعدالة وشفافية دون أن يعكس القانون موقف الثقافة، أو دون أن تكون الحلول والمواقف القانونية المقترحة جزءا من البنية الثقافية للمجتمع، أو محاولة لتطوير الثقافة نفسها.

إن نظرة سريعة لموقع الفرد العربي من المجتمع، ومحاولة عابرة لتتبع مسيرة حياته اليومية تظهر بوضوح أن الفرد العربي لا يتمتع ولو بجزء قليل من الحقوق التي يتمتع بها نظيره في مجتمع غربي. وكما أوضحنا، يعود السبب في ذلك إلى طبيعة الثقافة العربية السائدة، وإلى طريقة تربية الفرد في العائلة التقليدية، حيث يولد الطفل وينمو وينضج في أحضان عائلته دون أن تكون له حقوق معترف بها.

وفي الواقع، قد يعيش الفرد حياته كاملة يفكر دون هوادة، في كيفية أداء الواجبات الملقاة على عاتقه، من إطاعة أوامر الأب إلى إطاعة أوامر الأم، ومن احترام من هو اكبر منه سنا، إلى احترام من هو أعلى منصبا وأكثر ثراء وسلطة، ومن الخوف من الأستاذ في المدرسة، إلى الخوف من الشرطي في الشارع، إلى الخوف من الدولة.

إن الحق الوحيد الذي يتمتع به الفرد العربي في مجتمعاتنا، هو الحق في تقبل الاهانات من كل ذي سلطة وسطوة في المجتمع. ولذلك تُسن القوانين دون أن تأخذها غالبية الناس على محمل الجد، ويقوم الجهلة من موظفي الدولة بتطبيق قوانين لا يفهمونها ولا يحترمونها ولا يثقون بمواضيعها، ويتعرض المواطنون للظلم دون أن يكون بإمكان القانون حمايتهم، ودون أن يشعروا بالحاجة للشكوى.

إن عدم احترام الناس للقانون، وعدم قيامهم بالاحتجاج على فشله في حمايتهم، يعود بالدرجة الأولى إلى تعودهم على نمط حياتي وثقافي وديني معين يميل إلى حرمانهم من معرفة حقوقهم، ولا يعترف لهم إلا بواجبات لا عدد ولا حصر لها. إن الإنسان العربي نادرا ما يشعر بالإهانة حين يطلب منه الوقوف في صف طويل من أجل تجديد جواز سفر أو الحصول على شهادة ميلاد، أو حين يوقفه الشرطي ويستجوبه في الشارع دون سبب.

إن الواجبات التي تطلب من الفرد العربي لا تترك له في غالبية الأحيان مجالا ليعيش حياته كإنسان حر يستخدم عقله ويهتم بإنسانيته، فالواجبات العائلية والعشائرية والاجتماعية والدينية والوطنية تجعل الفرد مجرد آلة تدور حول نفسها في عملية غير واعية وغير منتجة. إن الفرد في كثير من دول الوطن العربي، يقضي الجزء الأهم من وقته مشغولا في أمور التعزية بالموتى، والتهنئة بالنجاح، وحضور حفلات الزواج، والمشاركة في أمور تافهة، مما يتسبب في خفض إنتاجية العامل العربي ويبيح للموظف التغيب عن العمل.

وعليه يمكن القول إن الثقافة العربية بمكوناتها الاجتماعية التقليدية والدينية والتاريخية والسلطوية هي المسؤول الأول عن تخلف القانون وتسلط الدولة، وهي السبب الرئيس في انعدام الوعي العام بغياب الحرية وفقدان الحقوق الفردية وميل الفرد والمجتمع إلى القبول بأوضاع معيشية مزرية، وهي العامل الأهم في استفحال خطر التخلف وضعف الأمل في النهوض وتحقيق التقدم. وحيث أن المجتمع، شأنه شأن الجماعة، يتكون من أفراد، فإن ضياع حقوق الفرد يعني ضياع حقوق الجماعة والوطن على السواء، وإعطاء الفرصة للغير من الأعداء لاستباحتها جميعا.

أكاديمي أميركي من أصل عربي

Professorrabie@yahoo.com