العنف في العراق، حدث بات أشبه بالعادي مع تساقط العشرات يومياً على مدى السنوات الماضية، والمستقبل القريب لا يبشر بأي تفاؤل ممكن أو محتمل، وأي رجاء في عودة الأمن والاستقرار للعراقيين لا يزال بعيد المنال، وغير بعيد عن حديث التفجيرات، تطل أزمات السياسة برأسها في بغداد وواشنطن، وضجيج الاستراتيجية الجديدة ومدى نجاحها لا يلقى بالاً في ظل الانقسام الأميركي الحاد داخل «الكونغرس» والتهديد الديمقراطي بالتعطيل واتهام الرئيس الأميركي جورج بوش بعدم الكفاءة.
ولا أحد بالطبع يرغب أن يصبح العراق فوق همومه جزءاً من تعقيدات السياسة الأميركية، فوزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس يحذر مرة تلو الأخرى من الفشل في العراق، ويصب وأقرانه من الجمهوريين والمحافظين الجدد المتشبثين بسياسة بوش جام غضبهم على كل المشككين من داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها.
والأميركيون بطبيعة الحال يخشون على حياة جنودهم، يموت الآن ما لا يقل عن ثلاثة جنود أميركيين في العراق يومياً وعدد القتلى فاق 3100 عسكري أميركي، ولا يملك صناع القرار أدنى تصور عملي للانسحاب، وعند الحديث عن تطبيق خطة أمن بغداد، يبدأ تراشق الاتهامات بين العراقيين والأميركيين في كيفية التنفيذ ومن أين تكون البداية وكأن الإستراتيجية على الأرض تعثرت حتى قبل أن تبدأ.
وواشنطن لا ترى غضاضة في تحميل الحكومة العراقية المسؤولية، وتتحدث عن نقل المسؤوليات الأمنية للعراقيين، ولكن كيف؟ الجنود المدججون بالسلاح والحواجز وتقسيم بغداد إلى مناطق أمنية وحده ليس كافياً. فأي حكومة بحاجة إلى دعم سياسي ومادي ومعنوي، وهذه الذراع لا تزال مفقودة في معادلة استقرار العراق.
وأي دعم سياسي لحكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الآن، يجب أن يتجاوز الأمن وحتى شطب الديون، إنه الحديث الصريح عن وحدة الشعب العراقي ونبذ ومحاربة كل أشكال الفرقة داخل العراق، ووأدها بشكل عاجل قبل أن تصيب أكثر فأكثر بشظاياها المنطقة ككل.
واليوم نتحدث عن عرب كركوك والتقسيم المذهبي لمناطق بغداد، ولا يمكن في ظل هذه الأجواء الحديث عن أي نجاح أمني أصلا، فالأحقاد تنمو من تحت رماد العنف والفرقة، والمستوى الأمني لم يدرك لغاية الآن استحالة تعاون الشعب العراقي لأنه مشرذم حاليا. ولا أحد يرغب في المنطقة بالطبع أن يكون العراق ساحة اقتتال داخلي أو إقليمي ومكاناً لتصفية الحسابات، يدفع ثمنها الآن العراقيون المهجرون والمهددون بتصويب الأوضاع في عديد من البلدان التي لجأوا إليها.
والرسالة العربية الخجولة عليها ان تكون أكثر وضوحا، فلا يوجد في الأفق غير الإستراتيجية الجديدة، اتفقنا معها أم لم نتفق، ومن الأرجح ألا يكون هناك هامش كبير للمناورة لدى واشنطن، ولا بد للعودة من دول الجوار العراقي في نهاية المطاف، والكف عن السياسة غير المتوازنة في المنطقة من أجل حمل الجميع على التعاون مع حكومة المالكي بدلا من أن يفرض عليها أن تكون خصما لخصوم أميركا.
فسياسة إما أن تكون معنا أو ضدنا المنتهجة منذ ست سنوات، لا ولن تنفع في العراق، لأنه سيكون الخاسر الرئيسي، وسيليه لاحقا بوش نفسه ليتجرع مرارة الفشل في العراق.والسياسة العربية بطبيعة الحال تؤمن بضرورة المصالحة العراقية الداخلية، والسياسيون في العراق يدركون أهمية ذلك أكثر من غيرهم، واستمرار الغمز واللمز في إيواء معارضين لن يجدي نفعا، لأن ذلك سيرتد على الداخل العراقي ويزيد وتيرة الاحتقان.
ومن الضروري بل والعاجل تنشيط مسيرة المصالحة العراقية سواء بأن تجتمع داخل العراق أو خارجه سيان في الحالين، والمهم استئناف الحوار العراقي والتراضي والكف عن سياسة الإقصاء وتجذير الفرقة من خلال إحداث تغييرات ديموغرافية لعدد من المدن والبلدات في العراق بدعوى أنها خضعت لعمليات جراحية في زمن النظام السابق على حساب الآخرين.