الأمر الجيد الوحيد في اتفاق مكة الفلسطيني -الفلسطيني هو محاولة حقن الدماء، لكن كل ما تبقى سيظل حبراً على ورق مثله مثل جميع الاتفاقات والعهود السابقة وفي مقدمتها عقد الانتخابات التشريعية، التي يأتي الاتفاق الحالي لينسفها من جذورها من ناحية حق الطرف الفائز فيها في تشكيل الحكومة التي يريد، انطلاقا من قواعد اللعبة الديمقراطية، التي يتشدق بها الكثيرون في هذه الأيام.

وتلك قضية لا علاقة للطرف الفلسطيني بها، فحتى لو سلمنا بوجود حسن النوايا على طاولة مفاوضات مكة، إلا أن التفاصيل التي عادة ما يكمن الشيطان فيها ستظهر إلى السطح وستصبح سيدة الموقف بلا منازع في الفترة المقبلة وسيتم اختراقها كالعادة من قبل غير طرف سواء على الساحة الفلسطينية أم من الجانب الإسرائيلي أم حتى من جانب رعاة عملية التسوية في الشرق الأوسط ممثلين في اللجنة الرباعية العتيدة، التي من المنتظر أن تجتمع في أواخر شهر مارس الجاري لتقول الكلمة الفصل فيما اتفق عليه الفلسطينيون في مكة.

وإذا أضفنا إلى ذلك أطرافا إقليمية أخرى تعتقد جازمة بأن من حقها أن تدلوا بدلوها في الاتفاق ذو الطبيعة الفوقية، التي غالباً ما تقفز على حقائق الأمور باتجاه الرغبات والتمنيات ومحاولة حفظ ماء الوجه، فإن الصورة ستغدو حينها أكثر قتامة مما يعتقد الكثيرون، الأمر الذي سيضع الاتفاق برمته على المحك من جديد.

وستتحول مسألة صمود الاتفاق في وجه كل هذه الضغوط من عدمه مسألة وقت ليس إلا، بحيث يصبح الباب مفتوحاً أمام تجدد ما يظهر على السطح من الصراع الفلسطيني الداخلي ممثلاً بحالة الاقتتال، مع بقاء الأسباب الحقيقية محل الخلاف طي التجاهل والتناسي.

وهذا يدعو الأطراف المعنية، فلسطينية أم عربية أم دولية كانت، إلى البحث عن وفي تلك الأسباب الحقيقية التي خلقت الظروف الموضوعية المناسبة لنشوء ظاهرة الاحتراب الفلسطيني، حيث وجد الفلسطينيون ممن يعيشون تحت لواء السلطة الفلسطينية في الضفة وغزة أنفسهم أمام حائط مسدود على الصعيدين السياسي والاقتصادي، فمن ناحية هناك ازدراء البعض لنتائج العملية الديمقراطية الوليدة في فلسطين، الأمر الذي انعكس سلباً في وعي المشاركين فيها وحجب عنهم إمكانية رؤية منافعها وربما أدى بالبعض إلى الكفر بصورة كلية.

ومن الناحية الثانية هناك الموقف الذي تبناه الكيان الصهيوني والولايات المتحدة ومن خلفهما المجتمع الدولي عموماً حيال وصول ممثلي حركة حماس إلى سدة الحكم في السلطة الفلسطينية، الأمر الذي عنى ولا يزال محاربة الناس في لقمة عيشهم ومنع حتى الأوكسجين عنهم إذا أمكن.

إذا كانت نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة قد جاءت في إطار السلطة الوطنية الفلسطينية، التي جاءت بدورها في إطار اتفاقات أوسلو وأخواتها، التي جاءت في إطار إرادة طرف فلسطيني والدولة العبرية والولايات المتحدة والمجتمع الدولي، فإن من واجب كل هذه الأطراف مجتمعة أن تحترم تلك النتائج بلا مواربة أو لف ودوران ودون الحاجة إلى دفع الشعب الفلسطيني إلى التمرغ في وحل صراع داخلي يأمل الكثيرون في تأجيجه واستمراره حتى يتمكنوا، أخيراً، من إطلاق رصاصة الرحمة على القضية الفلسطينية برمتها.

في ظل اتفاق مكة الجديد، تعود القضية الفلسطينية ولو بصورة جزئية ومؤقتة إلى ثنايا العباءة العربية ، التي ظلت قابعة بين طياتها طوال عقود من الزمن ولم تر أي بصيص نور قد يؤشر إلى قربها من خط النهاية.

وربما يجدر التنويه في هذا المقام إلى أن تركيز بؤرة الاهتمام على مسائل جانبية تتعلق بتوزيع الأوراق والأدوار بعيدا عن جوهر القضية الفلسطينية لن يفضي بأي حال من الأحوال إلى النتيجة المرجوة من جانب أصحاب هذه القضية والمتمثلة في حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، التي تتعرض لهجمة جديدة من جانب الكيان الصهيوني في محاولة منه لطمس هويتها العربية الفلسطينية الإسلامية والمسيحية على حد سواء.