في الوقت الذي كانت قيادات السلطة الفلسطينية تتخذ طريقها إلى مكة المكرمة لتجتمع هناك من اجل «ترميم» العلاقات بين حركتي «فتح» و«حماس» كانت الجرافات الإسرائيلية تبدأ عملها في هدم أجزاء ملحقة بالمسجد الأقصى ضمن محاولاتها المستمرة لتغيير معالمه والمساس بقدسيته وتأكيد ما تدعيه من سيادة إسرائيلية على القدس العربية، وكانت الجريمة تتم تحت دعوى «ترميم» هذا الجزء من المسجد المبارك!

التلازم بين عمليتي «الترميم» هنا وهناك تدعو الاخوة من قيادات فتح وحماس أن يبدأوا عملهم في مكة بأن يستغفروا الله عما ألحقوه من أذى بالقضية الفلسطينية، فعندما تسقط كل الخطوط الحمراء، وتصل الأمور إلى استباحة السلاح الفلسطيني للدم الفلسطيني، وينشغل «الإخوة الأعداء» بقتال بعضهم .. لا يبدو غريباً أن تتحرك الجرافات الإسرائيلية إلى المسجد الأقصى في هذا التوقيت، بينما الشعب الفلسطيني المحاصر من الأعداء ينتظر أنباء الهدنة العاشرة بين «فتح» و«حماس« بعد أن سقطت الهدنة بينهما تسع مرات من قبل، وسقط معها مئات الشهداء والجرحى بالرصاص الفلسطيني!

ووسط قتال الإخوة الأعداء كان اللقاء الموعود للجنة الرباعية الدولية ينعقد بعد أن عطلته أميركا طويلا لكي تنفرد بالقرار في الشأن الفلسطيني، ثم بعد مراجعة فرضها الفشل الأميركي في العراق لتكتشف واشنطن أن القضية الفلسطينية ستبقى هي أساس الصراع في المنطقة وأن لا سلام ولا استقرار بدون الحل العادل لها.

وكان المفترض - وفقا لهذا «الاكتشاف!!» الأميركي الجديد - أن يكون اجتماع «الرباعية» نقطة انطلاق من اجل وضع القضية الفلسطينية في مسار صحيح يفتح الباب للتسوية النهائية التي روج البعض بأنها ستكون باب تهدئة الموقف في المنطقة كلها وستمثل «الإنجاز» الذي يمكن للرئيس بوش أن يقدمه قبل نهاية ولايته، فينينقذ أميركا مرارة الهزيمة في العراق وينقذ نفسه من مصير يضعه كأسوأ رئيس في تاريخ أميركا وربما يعرضه للمحاكمة (ولو المعنوية) كمجرم حرب حقيقي!

لكن أول القصيدة كانت كفراً كما يقال. فاجتماع «الرباعية» قرر إبقاء الحصار الظالم على الشعب الفلسطيني من ناحية، ورضخ للرؤية الأميركية بالإبقاء على «خريطة الطريق» طريقاً وحيداً للتعامل مع القضية بينما الكل يعرف أن هذه الخطة الأميركية قد ماتت وشبعت موتاً، وأن الإبقاء عليها لا يعني إلا شيئاً واحداً هو إدخال كل الأطراف في عملية تفاوض لا تنتهي بهدف كسب الوقت المطلوب للخروج الأميركي من العراق من ناحية، ولاستكمال مخططات إسرائيل في الضفة والقدس من ناحية أخرى.

وفي الوقت الذي كانت أميركا تفرض فيه على اللجنة الرباعية إبقاء الحصار الظالم على الشعب الفلسطيني، وفي الوقت الذي ظل فيه قرار وزراء الخارجية العرب قبل شهر بكسر هذا الحصار حبراً على ورق، كان الحصار الآخر الذي يفترض أن الدول العربية تفرضه على إسرائيل حتى يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة ويتم تطبيق القرارات الدولية بهذا الشأن.. كان هذا الحصار يتعرض للاختراق في اكثر من موقع لعل أبرزها تلك الزيارة التي قام بها السفاح شيمون بيريز لدولة قطر الشقيقة!!

وكان رد الفعل العربي على الزيارة متسقاً مع أحوال أمة تدفن ألفاً من ضحاياها في العراق في أسبوع واحد، وتجاهد حتى لا ينزلق لبنان إلى الحرب الأهلية مرة أخرى وتغمض عينيها حتى لا ترى حجم المأساة في دارفور ولا مصيبتها في الصومال، بينما القيادات الفلسطينية تطالب المواطنين المحاصرين بالدفاع عن القدس وحماية الأقصى، لأنها مشغولة بالاقتتال الداخلي انتظاراً لهدنة جديدة سيتم نقضها من هذا الطرف أو ذاك!!

لقد شعرت بالخزي وأنا أتابع صرخات الشيخ عكرمة إمام الأقصى ونداءه للعرب والمسلمين لكي ينقذوا المسجد، بينما الجرافات تشق طريقها لتبدأ الهدم وتهين مشاعر أمة يبدو أنها تعودت على استقبال الإهانات. وكان السؤال في خاطري: لماذا لم نستعد لهذا اليوم ولمثله؟.. فالأمر ليس فيه مفاجأة.

وقد استقبلنا في القاهرة الشيخ عكرمة قبل شهور وتحدث للاعلام العربي من منبر نقابة الصحافيين المصريين، وشرح المخاطر على الأقصى، ودعم حديثه بأفلام سجلت ما تدبره إسرائيل وتم تصويرها رغم السرية التي تفرضها إسرائيل على ما تقوم به من أعمال تخريبية تحت الأقصى وحوله.

المخططات الإسرائيلية معروفة، والتحركات لتنفيذها ستستمر، ومخططاتنا لمواجهتها غائبة كالعادة.. وفي الوقت الذي يبدو العالم كله وقد استعاد الوعي بأن قضية فلسطين هي الفريضة التي كانت غائبة، وأن التعامل معها لم يعد ممكناً أن يستمر بالطريقة الأميركية المنحازة لإسرائيل، ترتكب قيادات السلطة الفلسطينية أسوأ الجرائم في حق شعبها.

حيث لا تكتفي بالصراع على مناصب في سلطة وهمية لا تملك من أمرها شيئاً، بل تفتح بنادقها على الهدف الخطأ، وتحولها من بنادق مقاومة إلى سلاح للحرب الأهلية التي يستباح فيها الدم الفلسطيني، وتضيع فيها الأهداف الوطنية، وتوجه خلالها اتهامات العمالة لأميركا ولإسرائيل للرئيس الفلسطيني وأعوانه من جانب البعض من حماس، بينما توجه اتهامات العمالة لإيران (وإسرائيل أيضا) لحماس من جانب البعض من فتح.

ولا شك أن الفريقين قد خسرا الكثير من ثقة الشعب الفلسطيني، كما خسرا الكثير من التأييد العربي. وسوف يحتاجان للكثير من الوقت والجهد لاستعادة هذه الثقة (هذا إذا نجحا في استعادتها)، وأيا كانت النتائج التي ستسفر عنها اجتماعات مكة فإن الأمر لم يعد توافقاً مطلوباً بين حماس وفتح، بل أصبح اكبر من ذلك وأشمل.

لم تعد القضية توزيع حقائب وزارية أو تحديد اختصاصات، وإنما استعادة وحدة الشعب الفلسطيني.. ليس فقط من أجل إنهاء الحصار الظالم المفروض عليه، بل من أجل استكمال معركة التحرير في ظل ظروف عربية وإقليمية ودولية بالغة الدقة ولكنها مع ذلك تعطي المجال لفتح الملف الفلسطيني الذي كانت إدارة الرئيس الأميركي بوش قد أغلقته ومنحت إسرائيل كل الدعم لتنفيذ مخططاتها، بحجة أن المقاومة الفلسطينية هي إرهاب لا بد من القضاء عليه.

الآن تبدو إدارة بوش مرغمة على فتح الملف الفلسطيني، ولكنها تريد أساساً شراء الوقت والتأييد العربي لمخططاتها في العراق، وتريد محاصرة الإرادة الدولية وخاصة الأوروبية في نقل الملف الفلسطيني إلى الرعاية الدولية بدلا من الأميركية.

وفي المواجهة فإن إيقاف نزيف الدم الفلسطيني الداخلي هو الخطوة الأولى من عملية إنقاذ لا تكتفي بمصالحة (قد تستمر أو لا تستمر) بين فتح وحماس، وإنما بإعادة الأمور إلى المسار الصحيح، بأن تكون قيادة النضال الفلسطيني في هذه المرحلة من خلال جبهة وطنية تمثل كل القوى الفلسطينية، وتكون السلطة الفلسطينية هي أداتها لتنفيذ السياسات الموضوعة في الداخل الفلسطيني.

هذا الدور الذي كانت تلعبه منظمة التحرير قبل أن يتم تجميدها بعد أوسلو، والتي تحتاج الآن لتجديد شامل لكي تكون ممثلة حقيقة للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، ولكي تكون - كما كانت - القيادة الحقيقة المعترف بها حتى قيام دولة فلسطين.

وإلى أن تتم عملية تجديد المنظمة، لابد من قيام قيادة مؤقتة تمثل الجبهة العريضة لقوى الشعب الفلسطيني لتكون هي القيادة السياسية في الداخل ولتكون الحكومة هي السلطة التنفيذية، هذه القيادة ينبغي أن يكون وراءها دعم عربي شامل يفرض على الجميع الالتزام بالتوافق والأمن الداخلي ووحدة القرار السياسي، ويمنع أي دعم لأي طرف يخرج على هذا التوافق.

في المقابل ينبغي ان تكون هناك رسالة عربية واضحة للولايات المتحدة الأميركية بأن الحصار الظالم سيرفع، وبأنه لا عودة للانفراد الأميركي بالقضية، ولا ضياع للوقت في تفاوض عقيم، وبأن المطلوب هو أن توضع الصورة النهائية للحل أمام كل الأطراف (اعتمادا على ما تم التوصل إليه في نهاية ولاية الرئيس كلينتون في محادثات طابا بالإضافة للمبادرة العربية) وأن يكون التفاوض على توقيتات التنفيذ والضمانات الدولية المطلوبة.

القيادة الموحدة التي تمثل الجبهة الوطنية الملتفة حول برنامج سياسي للتعامل مع تحديات المرحلة هي المطلوبة قبل كل شيء، وبدونها قد تنجح الجهود العربية في دفع «حماس» و«فتح» نحو الهدنة العاشرة ولكنها لن تكون الحل، وقد تتشكل الحكومة المرتقبة ولكنها لن تكون قادرة على مواجهة التحديات، وقد يخفت صوت الرصاص الفلسطيني الموجه لصدور الفلسطينيين بعد «ترميم» العلاقات بين الفصيلين الأساسيين المتقاتلين.

ولكن صوت الجرافات الإسرائيلية سيظل عالياً وهي تقوم بما تسميه إسرائيل عمليات «ترميم» للمسجد الأقصى هي في حقيقتها تخريب متعمد يتم في إطار هدم المسجد وتهويد القدس الأسيرة، وسط صمت عربي وتواطؤ أميركي يشدد الحصار على الشعب الفلسطيني ويقدم كل الدعم لإسرائيل ويمارس كل الضغوط على العرب بينما يحدثنا عن الفرصة الجديدة لإقرار السلام!!