رغم النداءات العربية والدولية المتكررة، وحتى تلك من الداخل الإسرائيلي لرئيس الوزراء إيهود أولمرت لوقف الاعتداءات على طريق المغاربة بوصفه جزءاً من أراض محتلة لا يجوز المساس بها أو تغيير معالمها وفق الاتفاقية الرابعة للأطراف السامية في جنيف في العام 1949، إلا أن حكومة إسرائيل ضربت بكل هذه المناشدات عرض الحائط وواصلت مشروعها الهدّام، مستفزة مشاعر الملايين في العالم الإسلامي، لتقوم بعد ذلك بتقييد توجه الفلسطينيين إلى الحرم المقدسي للصلاة، بل واقتحام باحات الحرم القدسي بالشرطة المدججة بالسلاح بحجة حماية المصلين اليهود من شبان غاضبين على تدنيس مقدساتهم.
السلوك الإسرائيلي هذا لم يأت من فراغ، فصحيح أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي دأبت منذ العام 1967 على إجراء تعديلات أو استهداف حفريات داخل البلدة القديمة في القدس، تارة بدواعي ضرورات التوسع العمراني أو لخدمة احتياجات السكان، وتارة أخرى كانت سلطة الآثار في إسرائيل تقف وراء العديد من مشاريع الحفر والهدم بحثاً عن آثار ورموز دينية تدلل على مكان الهيكل المزعوم.
إلا أن الخطوة الأخيرة التي أقدمت عليها حكومة أولمرت، وبشكل أحادي كما هي العادة، جاءت في توقيت لضرب اتفاق «مكة» في مقتل، وكان واضحا سوء النوايا من خلال رفض الاحتلال التنسيق مع الوقف الإسلامي في القدس الشريف أو مع الأردن بصفته الوصي على المقدسات في القدس، وذلك لضرب إسفين بين حركتي «فتح» و«حماس» اللتين ما كادتا أن تتفقا على حكومة وحدة وطنية تحترم الاتفاقيات السابقة، حتى يكون هذا الإجراء الإسرائيلي في القدس لإضعاف قدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبو مازن» على المضي قدما في أي مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي الذي يمتلك ردوداً جاهزة ساعتها، ويعيد اسطوانته المشروخة بعدم قدرة عباس على أن يكون شريكاً مناسباً للسلام.
ولم تكتف إسرائيل بهذه الخطوة وحدها بل سارعت إلى رفض هذه الحكومة الفلسطينية الجديدة ورفض التعامل معها وتجنيد أصدقائها في اللجنة الرباعية لتشترط الأخيرة مجدداً من اجل رفع الحصار المالي عن الفلسطينيين أن تعترف الحكومة الفلسطينية صراحة بإسرائيل وتلتزم وليس تحترم الاتفاقيات السابقة.
ولم يكن سرا اعتراف وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني في واشنطن ان اتفاق الفلسطينيين سيدفع ثمنه الإسرائيليون، وبدا من كلامها ان تل أبيب عازمة على «تخريب» الاتفاق وتغذية سفك دماء الإخوة، لأن هذا يصب في مصلحة الاحتلال ليمضي في قضم الضفة الغربية والآن أجزاء من الحرم القدسي في البلدة القديمة في القدس.
وبطبيعة الحال، في جو التصعيد والاحتقان الذي تخلقه إسرائيل في الأراضي المحتلة وفي الحرم القدسي تحديدا، سيكون من الصعب على أي من الفلسطينيين القيام بمزيد من خطوات حسن النوايا تجاه الاحتلال لاستئناف المفاوضات، كما أن تأكيدات رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل بأن اتفاق مكة هو بمثابة لغة سياسية جديدة للحركة، لم يلق صداه لا في واشنطن التي رفضت كبح جماح إسرائيل في التصعيد في القدس، ولا داخل إسرائيل والتي تعمدت توتير الأجواء مع ظهور ملامح الانفراج الداخلي الفلسطيني.
والآن، اختلطت أوراق الشرق الأوسط من جديد، الجامعة العربية اجتمعت بشكل عاجل لإدانة الاعتداءات الاسرائيلية في القدس، واللجنة الرباعية وضعت العربة أمام الحصان الفلسطيني من جديد بتكرار شروطها الثلاثة، الاعتراف بإسرائيل والالتزام بالاتفاقيات السابقة، ونبذ العنف، و«حماس» بدورها، والتي سترأس الحكومة الجديدة أيضا، وردا طبيعيا على الاستفزازات الاسرائيلية، بادرت بالتأكيد على أن الحكومة الجديدة لن تعترف بإسرائيل، رغم ان كتاب التكليف لإسماعيل هنية لم يشر إلى هذه النقطة بشكل صريح.
وحتى الشارع الفلسطيني والعربي أيضا لم يعد ينظر إلى اتفاق مكة بنفس تلك النظرة التفاؤلية منذ إعلانه رسميا الخميس، فموضوع الأقصى غيم على الأجواء وخفض من التوقعات بشأن أي انفراج محتمل مع الإسرائيليين، وحوّل اتفاق مكة إلى مجرد صلح بين حركتين لا أفق له في المستقبل.