الترحيب الواسع الذي لقيه اتفاق مكة بين حركتي فتح وحماس، له ما يبرره. فبعد ان شعر الفلسطينيون في الداخل والخارج وأشقاؤهم العرب، ان عربة النضال الفلسطينية كادت ان تنحرف في الأسابيع الأخيرة عن وجهتها الصحيحة، وأشرفت على الانزلاق إلى هوة سحيقة من سفك الدماء واشتعال حرب أهلية لا تبقي ولا تذر.
وبالتالي كان طبيعياً أن تعم الأفراح شوارع غزة والضفة الغربية، وان يسعد كل عربي حريص على نقاء مسيرة أشقائه في فلسطين من كل شائبة، تضر وتعوق عن الهدف الأساسي، في تحرير الأرض، وتخفيف الآلام عن شعب يستحق حياة أفضل بكثير، بفعل ما قدمه على مدى سنوات الاحتلال من تضحيات.
هذا الترحيب يملي على الذين وقعوا الاتفاق في رحاب الكعبة المشرفة، ان يتحول حبر توقيعهم إلى أفعال تثبت صدق النوايا والكلمات التي رافقت الإعلان عن هذا الصلح التاريخي بين أشقاء النضال ورفاق الدرب، وان تكون حكومة الوحدة الوطنية المنتظرة، عنوانا لشراكة حقيقية، وتعبيرا عن كل فلسطيني،أياً كان موقعه أو موقفه أو الفصيل الذي ينتمي إليه.
نريد مرحلة جديدة، يلتفت فيها الجميع إلى القضايا الرئيسية والتحديات التي يفرضها الاحتلال، والحصار الدولي الجائر، والجدار العنصري وعمليات الاستيطان الإسرائيلية التي تنهش جسد ما تبقى من الأرض الفلسطينية. نريد تصديا للحفريات الصهيونية تحت المسجد الأقصى، والمحاولات الإسرائيلية المحمومة لتهويد القدس.
قد يشكك البعض في إمكانية صمود الاتفاق الجديد، أو قدرة موقعيه على الوفاء بوعودهم.، لكن المؤكد أن الظرف التاريخي لا يعطي أحداً القدرة على النكوص، أو العودة إلى الوراء، فقد جاء الاتفاق تلبية لاحتياج حقيقي، وفرض نفسه على الذين واصلوا الليل بالنهار من اجل انجازه، وهو ما يعزز الأمل في نجاحه ومساعدته في الخروج بالحالة الفلسطينية من الأزمة التي هددت المستقبل الفلسطيني برمته.
الأضواء مسلطة الآن على القادة الفلسطينيين، وطبعا الأرض لن تكون مفروشة بالورود، خاصة وان هناك من يترصد، ومن يسعى إلى إفشال الصلح، وممارسة الضغوط والابتزاز، وهو ما يفرض الوعي بما يدور، وتفويت الفرصة على كل كاره لأي تقارب فلسطيني باعتباره خصما من أجندة أهدافه الشريرة بحق الفلسطينيين.
نعم إسرائيل لن تقف متفرجة وهي تشهد الأيادي الفلسطينية وقد توحدت، ولن يعجبها أن تعود البنادق إلى وجهتها الصحيحة، بدلا من تصويبها إلى الإخوة والأشقاء.
التحديات التي تنتظر المرحلة المقبلة كبيرة، وتحتاج إلى جهود الجميع في التصدي لها، وإذا كان الإخوة الفلسطينيون، قد أثبتوا قدرة على تجاوز خلافاتهم، التوصل إلى هذا الاتفاق، فإن الأمر يفرض على إخوانهم العرب المسارعة إلى دعم مسيرتهم بكل قوة، حتى يتمكن الأشقاء من مواصلة مسيرتهم وتحقيق أهدافهم، وألا نترك الفلسطينيين يواجهون التحديات الجسام بمفردهم.
الاتفاق بين فتح وحماس، خطوة مهمة، تحتاج إلى خطوات، من اجل تثبيت ما تم التوصل إليه وأن يشعر كل فلسطيني أن هناك صفحة جديدة بدأت، بعد أن طويت صفحات ما كان لها أن تكتب في تاريخ مسيرتهم، التي عصفت بها في الأيام الأخيرة رياح عاتية.
الحصار لذي يضرب بتأثيراته الظالمة أطفال ونساء وشيوخ الشعب الفلسطيني، لن يرفع من جراء نفسه، ولكن يحتاج إلى وقفة عربية وإسلامية، تعمل على إنهاء مرحلة طالت وما كان لها أن تستمر لولا الخلافات الفلسطينية، والموقف المتجاهل عربيا ودوليا، لما يدور على أرض فلسطين.
نحن اليوم إزاء واقع جديد،ولعل ما تضمنه الاتفاق من إشارات عن احترام حماس لاتفاقات والتزامات السلطة الفلسطينية، قتل للحجج والمبررات التي اتخذ منها البعض وخاصة الغرب مطية لخنق الحكومة الفلسطينية، وتأليب المجتمع الدولي عليها.دعونا نتفاءل خيرا بما تم في مكة المكرمة، وان ندعو مخلصين أن تكلل بنود هذا الاتفاق بالنجاح.