معركة جديدة من معارك العلمانية الفرنسية وهي تخوضها هذه المرة ضد رافضي نظرية داروين، فبعد معركة حظر الرموز الدينية التي عرفت إعلاميا ب«معركة الحجاب» تنشغل وزارة التعليم الفرنسية بكتاب لمفكر إسلامي تركي حول نظرية النشوء والارتقاء لتشالرز داروين.
وبقدر ما تعكس هذه المعركة أزمة العلمانية الفرنسية في التعامل مع الأديان تشير إلى اختلافات كبيرة تتعمق باستمرار بين النموذجين الفرنسي والأميركي الذين يتنافسان على العقل والضمير الغربيين، فالموقف الرسمي الأميركي البريطاني المنتقد لقانون الحجاب والتباين في مسلك الحكومة الفرنسية الرافض لنقض نظرية داروين من منظور ديني مقابل موقف البيت الأبيض الذي حاول قبل أشهر تدريس نظرية الخلق.
فيما عرف ب«نظرية التصميم الذكي» كلاهما يشيران بوضوح إلى دور متصاعد للدين في الحياة العامة غرب الأطلنطي، ورغبة شديدة في تحييده في فرنسا، ومازال الدين يؤكد حضوره بأشكال شتى على ساحة السياسة الدولية من القدس إلى باريس ومن واشنطن إلى كابول، في حقبة من التاريخ يمثل الإحياء الديني أهم ملامحها.
أطلس الخلق
بدأت القصة بتحذير أطلقته وزارة التعليم الفرنسية (3 فبراير 2007) حذرت فيه المدارس في شتى أنحاء البلاد من نظريات إسلامية عن الخلق بعد أن أرسلت آلاف النسخ من كتاب يناقض نظرية دارون من تركيا إلى فرنسا عن طريق البريد. الكتاب هو «أطلس الخلق» للمفكر الإسلامي التركي المعروف هارون يحيى وله موقع كبير على الانترنت فيه العديد من مؤلفاته بلغات عدة.
والعبارة الأهم في البيان الرسمي الفرنسي هي قول الوزارة «هذه الكتب ليس لها مكان في مدارسنا» ما يعني أنها غير مقبولة حتى بوصفها وجهة نظر أو رواية موازية أو اجتهادا. والكتاب «أطلس الخلق» يقع في 768 صفحة ويرفض نظرية النشوء والارتقاء لداروين ويرى مؤلفه أن هذه النظرية أساس الكثير من المشاكل اليوم بما في ذلك الإرهاب لأنها مصدر الإلهام الأساسي للعنصرية والنازية والشيوعية والإرهاب الذي يعاني منه العالم اليوم.
يقول هارون يحيى: «أساس الإرهاب الذي يعاني منه كوكب الأرض ليس الديانات وإنما الإلحاد والتعبير عن الإلحاد في زماننا يتمثل في نظرية داروين والمادية». ويتشابه المنطق الذي يتبناه هارون يحيى إلى حد كبير مع تراث انتقاد التنوير الفرنسي وحركة الحداثة وقد نشر في بريطانيا في العام 2005 كتاب تبنى فكرة مشابهة هو كتاب المؤرخ البريطاني دافيد أندرس «الإرهاب:
حرب أهلية في الثورة الفرنسية» وفيه يؤكد أن الإرهاب ثمرة الفكر المادي لحركة التنوير الفرنسية التي أطلقتها ثورتها وليس ثمرة التطرف الديني. وهو واحد من أدبيات كثيرة جدا تعيد النظر في الصورة الرومانسية البراقة للثورة الفرنسية ومثل التنوير الفرنسية وقد بدأت تلفت الأنظار منذ الذكرى المائتين للثورة الفرنسية (1989) عندما نشرت الأطروحة الأكاديمية ذائعة الصيت للفرنسي رينالد سيشر «إبادة جماعية فرنسية» التي يخلص في نهايتها إلى أن الفكر المادي للثورة الفرنسية هو المسؤول عن أول هولوكوست في التاريخ الحديث ارتكبته قوات الثورة الفرنسية ضد الفرنسيين المتدينين في فاندي (فندييه) شمال فرنسا.
وهارون يحيى هو اسم مستعار للمعلم عدنان أوكتار وهو ملمح أخر جدير بالتوقف إذ نشر الرجل مؤلفاته لفترة طويلة بهذا الاسم المستعار خوفا من تداعيات دعوته على أسس العلمانية الكمالية التي تأسست على مثل التنوير الفرنسية. والطريف أن الارتباط بين هذه الدعوة الإسلامية وبين الموقف الإنجلوسكسوني الناقد للتنوير الفرنسي لم تغب عن تحليلات الفرنسيين لمن يقف وراء إرسال آلاف النسخ من الكتاب فالتكهنات بشأن التمويل دارت حول إسلاميين أتراك ونشطاء مسيحيين أميركيين!
في مواجهة الفاتيكان
المعركة حول داروين ليست الوحيدة التي تخوضها العلمانية الفرنسية حول دور الدين في الشأن العام: السياسي والثقافي والاجتماعي، والمعركة الثانية كانت في الفاتيكان، وحسب لوموند ديبلوماتيك التي نقلت تفاصيلها المثيرة (فبراير 2007) فإن 51 % فقط من الفرنسيين يعرفون أنفسهم على أنهم مسيحيون كاثوليك نصفهم فقط يعتبرون أن وجود الخالق «أكيد» أو «محتمل»!
وفرنسا التي تعد من المجتمعات الغربية الأكثر اهتماما ـ رغم علمانيتها الصارمة ـ بإجراء إحصاءات حول الدين مشغولة منذ سنوات بالصعود الكبير للأصوليات الدينية في الشمال والجنوب على السواء ولكنها هذه المرة في مواجهة انقلاب تاريخي يعد له البابا بنديكت السادس عشر الذي يستعد لعودة الكنيسة الكاثوليكية لطقوس العبادة التي كانت سائدة في القرن السادس عشر وأن التاريخ الأوروبي يعود إلى الوراء إلى ما قبل صلح وستفاليا عندما كانت السلطة الروحية للفاتيكان أقوى بكثير من السلطة السياسية لملوك أوروبا، ففي المجمع المسكوني الذي اختتم أعماله عام 1965 تم التخلي عن اللغة اللاتينية في العبادة لحساب اللغات المحلية واتخذت خطوات أخرى كبيرة في طريق تفكيك «عالمية» دور الفاتيكان لحساب الكنائس المحلية.
الأساقفة الفرنسيون يخوضون معركة ضارية ضد البابا بنديكت رافضين العودة إلى طقوس أكثر أصولية ومعترضين على التراجع عن عملية التصالح التاريخي التي حاول الباباوات في النصف الثاني من القرن العشرين التوصل إليها بين الإيمان الكاثوليكي وقيم التنوير الفرنسية، الطريف أنهم يخوضون هذه المعركة بينما صلة الفرنسيين بالكنائس تكاد تكون مقطوعة، فحسب وصف لوموند ديبلوماتيك: «الفرنسيون قليلا ما يصلون وما يذهبون لحضور القداس في الكنائس وهم كثيرا ما يطالبون بالسماح للرهبان بأن يتزوجوا. هذا ما يجعل أساقفة فرنسا أكثر حساسية لكل ما يمكن أن يعطي الكنيسة وجها أقل انفتاحا»!
أي أنهم يحاولون تغيير المجتمع الكنسي دون أن يحافظوا على إقامة الشعائر الدينية ويرفضون قبول وجود نظرية مناقضة لنظرية النشوء والارتقاء، وقبل أعوام أعربوا عن رفضهم لوجود رموز دينية في مؤسسات الدولة الفرنسية. وهذه المعارك تطرح الكثير من التساؤلات المشروعة حول مدى قابلية النموذج الفرنسي لأن يكون حلا لمشكلات المنطقة العربية بعد أن استلهمته ـ جزئيا ـ حركات التحرر العربية وبخاصة في تجربتي حزب البعث وتجربة بورقيبة في تونس.
كما أنه وبالقدر نفسه ينبه إلى الأهمية المتصاعدة لدراسة «الأصول الثقافية» للنظم السياسية وتأثيراتها في سياستها الخارجية وهو ما سيكشف عن تقارب كبير بين ثقافة العالم العربي والثقافة الإنجلوسكسونية التي لم تعرف الفصام العنيف بين العلمانية والدين.