يبدو أن صناع الفتن المتنقلة الطائفية منها والمذهبية قرروا أن ينقلوها سريعاً من العراق إلى لبنان، وان يرفعوها على حراب بنادقهم تماماً كما فعلوا ذلك من قبل في أواسط السبعينات ظناً منهم أن التاريخ يمكن أن يعيد نفسه فينقلب الصراع السياسي الدائر هناك بين مدرستين في الفكر والممارسة إلى حرب أهلية تخرج لبنان مرة ثانية من الصراع العربي الإسرائيلي ليصفو لهم الجو من أجل تمرير خطة بوش ـ رايس الجديدة في حشد معسكر المعتدلين ضد معسكر المتطرفين أو الراديكاليين كما ينظر المحافظون الجدد في آخر حروبهم قبل أن يرحلوا من الإقليم العربي الإسلامي.
وقد اختاروا «الجامعة العربية» في بيروت حيث التنوع السكاني والموقع الجيو اجتماعي والجيو سياسي للناس والأحزاب الذي يشكل لوحة التعايش السني ـ الشيعي والإسلامي المسيحي، واللبناني الفلسطيني حتى يمعنوا في تمزيق هذا النسيج اللبناني المتوافق على التعايش والعيش المشترك. ولم ينتظروا طويلاً هذه المرة حتى يستعرضوا قدراتهم وإمكاناتهم الميليشياوية كما فعلوا في أواسط السبعينات لأن الوقت أو «أمر العمليات» من قبل السفارات والقناصل الأجنبية لم يمهلهم كثيراً!.
فسرعان ما نزلت البنادق الرشاشة وصعد القناصة الأسطح والأبنية العالية ونزل «الأباضيات» إلى الشوارع والأزقة وقطعوا الطرقات ما استطاعوا بهدف استفزاز الرأي العام كله واستثارته لعله يفرغ ما في جعبته «النائمة» من غرائزيات لتنفلت في كل الاتجاهات.
قبلها بيوم ـ أي يوم الإضراب العام الناجح جداً للمعارضة الوطنية اللبنانية ـ حاولوا ما استطاعوا في توتير الأجواء وإظهارها «شوارع» منقسمة على نفسها مذهبياً وطائفياً لكنهم لم ينجحوا بل «بهت الذي كفر» عندما فاجأتهم المعارضة بالانضباط والدقة والتنظيم والصبر على الأذى والرد على الاستفزازات بطريقة «وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ».
لكن أصحاب السوابق الميليشياوية المعتقة نفخوا في الفتنة عند المساء وانقلبوا على كل شعارات دولة القانون ولاسلاح غير سلاح الدولة ولا حل إلا بالحوار والتشاور والعودة إلى العقل وقرروا العودة إلى مطالباتهم التي ابتدأوا بها مواجهة الامتحان عندما طالبوا وقتها بضرورة تدخل الدول الكبرى لحماية ثورة الأرز الجديدة وعهد الاستقلال الثاني، وقالوا بالحرف الواحد «نعم نريد الانتداب والوصاية الأجنبية لأن حياتنا في خطر».
هذا بالضبط هو ما كانوا يريدونه يوم الخميس الماضي عندما «فلتوا» ميليشياتهم على الناس وعلى الجيش اللبناني الذي أخذوا عليه تقاعسه في قمع المعارضة بل ثمة من اتهمه بالتواطؤ مع المعارضة.
وهنا ثمة تقارير تشير إلى أن القوى المتطرفة في معسكر 14 شباط كانت تخطط لحدوث فلتان أمني عام يتنقل من مدينة إلى مدينة انطلاقاً من بيروت ويعجز الجيش والقوى اللبنانية من السيطرة عليه، ومن ثم لتصل الأمور إلى ذروتها حتى يتم الاستعانة بما بات يسمى بالمجتمع الدولي ليطلب قوات حماية دولية من قوات متعددة الجنسية تحت الفصل السابع! وهكذا يكون قد تحقق مطلب الانتداب ولكن «الديمقراطي» طبعاً!
هذه هي سنة المستقوين بالخارج على أهلهم في الداخل في كل مكان، في فلسطين الاستيطان والاحتلال والاغتصاب «الديمقراطي»، وفي العراق الغزو والعدوان والاجتياح وتفكيك الدولة والمؤسسات «الديمقراطي».
وفي لبنان الوصاية والانتداب «الديمقراطي»!. انه عصر الفتن «الديمقراطي»! للأسف الشديد يطبق على أنفاس العالمين العربي والإسلامي والنخب العربية والإسلامية وكأنها في حيرة من أمرها أو أنها تعيش عصر التيه والضياع!ألم تثبت معركة الـ 33 يوماً ضد لبنان بأن الأميركيين حركوا قاعدتهم العسكرية المتقدمة اسرائيل لتقلب طاولة الحوار على رؤوس اللبنانيين وتقضي على المقاومة وحزب الله وكل من تحالف معه ليلحقوا لبنان بالعراق وفشلوا؟.
وانهم اليوم يريدون ان يعيدوا الكرة بواسطة «السياسة» والتمويل العالمي» والبنك الدولي والصندوق الدولي ما داموا لم يستطيعوا انجازه أو تحقيقه بالحرب؟
إنها الحقيقة الساطعة التي لم تعد تحتاج إلى دليل أو برهان اضافي لكثرة ما يتحدثون عنها هم على ألسنتهم وبكل اللغات الحية في العالم، وإلا ماذا يعني ان المشكلة في لبنان هي لا تزال في سلاح حزب الله الموجه ضد اسرائيل فيما سلاح الميليشيات «السلطوية» حر طليق؟ وماذا يعني الحديث عن التدخل السوري الإيراني فيما السفراء والقناصل الأميركية والفرنسية وغيرهم تتدخل في كل صغيرة وكبيرة في لبنان ولا تغادر قصور «البيكوات» ورجال الدولة وزعماء الميليشيات؟
وماذا يعني تهديد اللبنانيين «بالمجتمع الدولي» و«المحكمة الدولية» و«القوات الدولية» وكأنه بلد قاصر وعاجز ولا رجال فيه ولا قضاة ولا قضاء ولا دولة ولا من يحزنون؟!!إنها كذبة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان الأميركية التي يريدون من خلالها نشر مظلة الوصاية الدولية بقيادة الدولة الأميركية والامبراطورية الأعظم!
كاتب إيراني