ليست هذه نبوءة أو مجرد تخيّلات، بل استنتاج منطقي لما جاء على لسان وزير الدفاع الأميركي الجديد روبيرت غيتس، على ذمة وكالة الأنباء الروسية «انترفاكس» التي نقلت عن الوزير ـ الصقر قوله: «إننا نحتاج إلى كل أشكال الوسائل العسكرية للخوض في النزاعات بمشاركة القوات المسلّحة، ولاسيّما أننا لا نعلم الآن ما يجري في مناطق عدّة مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران وغيرها». ‏

وسقى الله أيام سلفه دونالد رامسفيلد.. صحيح أنّه كان صقراً وأحد أصحاب مشروع تدمير العراق، إلا أنّه لم يصل الى حدّ الحديث عن استخدام القوّة ضدّ دول عظمى كالصين وروسيا. ‏

من هنا نتفهّم تماماً مخاوف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من التعزيزات العسكرية الأميركية في الخليج، ودعوته إلى وضع جدول زمني لانسحاب القوات الأجنبية من العراق. ‏

لروسيا الحقّ، كل الحقّ، في التعبير عن خشيتها المشروعة، من أحلام المحافظين الجدد المريضة، ورؤاهم الأسطورية، وإيمانهم بالإمبراطورية الأميركية التي «لاتغيب عنها الشمس» وبأن القرن الحادي والعشرين هو «القرن الأميركي» الذي لن يشهد إلا الهيمنة الأميركية على كوكب الأرض. ‏

ويجب ألا ننسى أنَّ تمدّد حلف شمال الأطلسي «الناتو» ليلامس الحدود الروسية، وتمركز الجيوش الأميركية في محيط روسيا، شرقاً وغرباً، يشكّل خطراً حقيقياً ليس على روسيا فحسب، بل على جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق والصين، ويتهدّد، بشكل أو بآخر ،الأمن والسلم العالميين، مع الأخذ في الاعتبار الجانب العقائدي لدى المحافظين الجدد الذي يقوم في أحد أركانه الرئيسية على وجود معركة فاصلة تسبق ظهور السيد المسيح ويوم القيامة، والحديث عن أن هذه المعركة ستكون نووية تُباد فيها كل شعوب الأرض باستثناء عدد محدود من «شعب الله المختار» المؤمنين حصراً بـ«العهد القديم»! ‏

وإذا كان من حق روسيا والصين وكوريا وإيران التخوّف من المرض الخطير المعشّـش في أدمغة حكّام الدولة الأعظم والأقوى في العالم، فإن من حق شعوب الأرض قاطبة أن تشعر بالخطر والخوف على مصير هذا الكوكب الذي أصبح تحت مرمى النيران الأميركية. ‏

الأهم: إذا كانت الإدارة الأميركية الحالية تراهن على قوتها، ومستعدة لاستعداء الدول الكبرى ووضعها على «أجندة» الاستهداف والمواجهة، حتى العسكرية منها، وليس السياسية والاقتصادية فقط، فهل نأمن لهذه الإدارة، نحن أهل هذه المنطقة، ولاسيما أن المعركة «النووية» الموعودة ـ حسب الأساطير الخرافية التلمودية ـ ستقع هنا في أرضنا العربية، وتحديداً في أرض فلسطين؟!.. ‏

هل نأمن لهذا العدو المتوحش، الذي لم يعد يحاصرنا ويحاربنا بلقمة العيش ويسرق خيراتنا وثرواتنا، بل بات يستخدم ذراعه الطويلة؛ فيحتل أوطاننا ويعمل بها تخريباً وتدميراً وسلباً وزرعاً للفتن وسعياً لتقسيم البلاد، وتحريض العباد على العباد، ونشر الفوضى والفساد؟!.. ‏

هل بعد كل ما جرى من أفغانستان إلى العراق وفلسطين ولبنان، يمكن لأحد أن يقنعنا، ويقنع الشارع العربي العريض، أن إدارة امتهنت قتل العرب والمسلمين، والاستخفاف بهم وبوجودهم وثقافاتهم ومعتقداتهم، يمكن أن تكون حليفاً أو صديقاً أو حتى وسيطاً؟؟ ‏

لا يمكن لدعاة وصنّاع الحروب أن يصنعوا سلاماً في أية بقعة من بقاع الأرض.. بل هم يجلبون للعالم الكوارث والويلات، ويجرّون هذه الكوارث الى الداخل الأميركي نفسه عندما يغذّون أحقاد الشعوب على كل ما هو أميركي، ويعطون الإرهاب جرعة مقوية تطوّل في عمره، وتشدّ عضده وساعده، بدلاً من العمل على التقليل من مخاطره والقضاء عليه، واستئصاله من العالم. ‏

لا نظن أن إدارة بوش تركت كوّة، ولو صغيرة، للأمل بغدٍ أفضل لعالم اليوم والغد.. ولا نظن أن من يؤمن بالخرافات قادر على تحكيم العقل والمنطق والحكمة، أو أن المعتَـدَّ بقوته وجبروته وسلطانه وتكبّره سيتواضع ويستمع إلى أصوات الشعوب المغلوبة على أمرها.. وها هو هذا المعتدُّ بقوته يسرح ويمرح في العالم، ويعادي حتى الدول العظمى، ويفرض إملاءاته على دول يفترض أنها حليفة له في أوروبا وغيرها. فهل لا يزال عرب أميركا على إيمانهم بجدوى الارتماء في أحضانها؟!. ‏

ليس المطلوب أن يعلن العرب الحرب على الولايات المتحدة، بل أن يتنبهوا إلى الخطر، ويرفعوا الصوت احتجاجاً ضدها ولو مرة واحدة عندما تقتلنا في العراق وفلسطين ولبنان والصومال بسلاحها وجيشها وبأداتها المتقدمة إسرائيل. ‏

ليس هذا مطلباً تعجيزياً، ولا مستحيلاً، إذا صدقت النيّات وصَفت القلوب، وتخلّينا عن بعض الجبن والخوف الساكن في القلوب والنفوس، وعن وضع كل بيضنا في السلة الأميركية، وأن نقول: «لا» مرة واحدة لأمر عابر للقارات! ‏