أن يتمّ اجتماع مصالحة الفصائل الفلسطينية في مكّة المكرّمة، ويتزامن مع تحرشات صهيونية بثالث الحرمين الشريفين في القدس فإن للحدثين دلالات رمزية كثيرة، يجب أن يرتقي الاداء الفلسطيني والعربي الى معانيهما العميقة، لا أن يلوك ويكرّر خطابا لا يجدي وكلاما لا نهاية حقيقية له.
إن هذا الذي يحدث يتطلّب مصالحة حقيقية فلسطينية أولا، ووقفة عربية حازمة تدافع على الأقل عن المقدسات بعد أن عجزت عن الدفاع عن الارض التي تحضن تلك المقدسات، وذلك أضعف الايمان!
وما يخشى منه بعد لقاء مكّة، أن نعُود الى تلك العادات القديمة، عادة افشال هذه اللقاءات لأنها جرت على أرض معيّن، وتحت اشراف قيادة معيّنة. فهذا كلّه عبث وشكليات واستهتار لا طرف يستفيد منها الا اسرائيل وخططها التي تتحايل منذ 1967 وحتى قبله، على هدم المسجد الاقصى وإقامة الهيكل عوضا عنه. فذلك حلم كامن في وجدان كل صهيوني، وغاية عملوا ويعملون من أجلها منذ قرون، وإن تشقق جدران العلاقة العربية ـ العربية، هو الذي قاد أوّلا جرّافات اسرائيل الى شق طريق المسجد وإقامة اشغال فيه، وإن تهديم تلك العلاقات المتواصل هو الذي يُمهّد ا لطريق الى هدم المسجد الاقصى وسقوطه مرّة واحدة لاسباب سيقولون أنها جيولوجية بحتة.
نتمنى أن تتم المصالحة الفلسطينية هذه المرة، لهذا السبب ولغيره من الأسباب، بعد أن حاولت دولة قطر أوّلا ومهّدت سوريا له في المرّة الثانية، فكل جهد في هذا الصدد محمود، وكل خطوة تُشكر ويُثنى عليها. المهم أن تنتهي المسألة بالخوض في صلب الموضوع وفي لبّ الاشكالية.
وإذا كان في العادة يقال، بأن أي أطراف سياسية تتصارع بالضرورة على السلطة وغنائمها عندما تفتقد لقضية وطنية كبرى، فليس هناك أكبر على ما نظن من قضية المسجد الاقصى ومن وضع القدس الشريف، فإذا لم تجتمع الفصائل الفلسطينية على هذا الأمر، فعلى أي شيء ستجتمع يا ترى؟ وإذا لم يجتمع العرب خصوصا والمسلمون عموما عليها، فإن الانظمة العربية على وجه الخصوص تكون قد جعلت شعوبها في حلّ منها، أليست قضية القدس هي آخر أمل لهذه الشعوب تنتظره من أنظمتها. ألم تجعل الأنظمة منها قميص عثمان وشعرة معاوية اللذين يشدّانها الى شرعية ما، ويصبّران العامة على خاصّتها. فإذا افتقدت القدس، ماذا سيبقى للخاصة قبل العامة؟
عبد الرؤوف المقدمي