ليس أمير الكويت وحده من توجه إلى إيران بنصيحة الجنوح الى الحكمة, بل كل زعماء المنطقة الذين لايريدون ان يندفع هذا البلد الاسلامي الجار نحو مهاوي الخطر, واحتمالات اندلاع الحروب... أمير الكويت من جهته كان ينفرد بقوة استشعار المخاطر الآتية فوضع كل هواجسه تحت الاضواء, متمنيا ان لايندفع احد في اي اتجاه يشير الى التهور, والعبث او اثبات الذات بغير وسائل الاقناع المشروعة.
صحيح ان شيعة المنطقة عرب, كما قال سمو الامير, لكن ايران لاتزال تحاول ربط بعضهم بمشروعها الديني الخاص (ولاية الفقيه) وإلحاقهم بخدمة مصالحها والتي هي في الآخر مصالح ضيقة جدا, وسياسية من المفروض ان تؤخذ بقياس المصالح الاكبر, اي المصالح العربية والاسلامية والتي بموجبه لاتساوي المصلحة الايرانية البحتة الا جزيرة نائية في محيط شاسع.
سمو الامير في حديثه الى جريدة »التايمز« اللندنية, والذي اعتبر تمهيدا لمحادثاته, وعرضا لأفكاره, افهم ايران ان عليها ان تدرك مسؤوليتها ازاء السلام في المنطقة, وان لايتصرف المسؤولون فيها بعقلية المنتصر لان الانتصار ربما لن يستمر لان إيران تقع في منطقة اكبر, وهي منطقة عربية, وأن غالبية الشيعة في المنطقة عرب لايتبعونها.
في صدر هذا الحديث المهم جدا, والمستوعب لخطورة هذه المرحلة القائمة على خلفيات صراعية, ثقافية ومذهبية, كان سمو الامير واقعيا جدا حين لم يستبعد اقتراب المخاطر من الكويت نفسها, فصحيح ان لا مشكلة طائفية في البلاد وان المواطنين متحدون, لكن لا احد محصن ضد قوى الشر والظلام.
سمو الأمير الذي استبق محادثاته في بريطانيا بهذا الحديث المهم, وضع مضيفيه, وخلفهم العالم بأسره, في صورة المخاطر الآتية, وبالتالي حفز الجميع على العمل من اجل حماية المنطقة من هذه المخاطر ,وهي منطقة ستراتيجية تتولى امداد الاقتصاد العالمي بكل مقومات الحياة والبقاء.
والبريطانيون في هذا الجانب خبراء في التراكيب الثقافية لهذه المنطقة, ويعرفون بالتأكيد لعبة التوازنات فيها, وان اي اخلال بهذه التوازنات سيفتح ابواب الحروب المصيرية والوجودية التي لاتنتهي, كما هو الحال بين العرب واسرائيل, حيث حروب الطرفين غير مقدر لها ان تنتهي في المدى المنظور, او القريب.
نحن ننظر الى افكار سمو الامير على انها افكار معتدلة, وبعيدة عن التشنج والطرفية, وترمي الى التحريض على الحكمة والتعقل, والكف عن روح المواجهة والعداء والتربص بالآخر, لكن هذه الافكار لوحدها لاتكفي لمنع حلول المخاطر, من دون تضافر جهد عربي ودولي حولها يجعل منها قوة ضاغطة تتكفل بفرض النظام في المنطقة ومنع المغامرين من العبث بمصيرها. اضافة الى ذلك فان افكار سمو الامير ستسهم الى حد بعيد في اعادة تصويب السياسات الداخلية لكل بلد بحيث تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل.
ولاننسى في هذا الصدد ان هناك مسؤولية تقع على عاتق بعض شعوبنا التي رأت في التعاون مع ايران نوعا مبررا من تقاطع المصالح يسمح بالتنازل عن المصلحة الوطنية وعن السيادة الوطنية. فالعراقيون تعاون بعضهم مع ايران على هذه الخلفية بينما المفروض ان لايفتحوا ابوابهم لها لانهم عرب. و
كذلك الامر بالنسبة لبعض الشيعة في لبنان الذين اباحوا بيع بلدهم لايران تحت مسمى تقاطع المصالح, بينما الواقع ينفي وجود مثل هذه الحالة ويؤكد تبعية الضعيف للقوي, والتزام الضعيف بأوامر من يدفع له الاموال. وحتى نكون منصفين نقول ايضا إن هناك بعض السنة في لبنان باعوا بلدهم ايضا تحت مسمى تقاطع المصالح , وأن هناك بعض السنة في فلسطين باعوا بلدهم تحت ذات المسمى, ومعروف ان من يبع بلده يسهل عليه ان يبيع من تعاون معه.
حديث أمير الكويت لجريدة »التايمز« فتح كل هذه الابواب, واشار الى كل هذه المعاني, وخصوصا تلك التي تعلقت بالارتباطات الخارجية, وتغليبها, كمصلحة, على المصلحة الوطنية, ولعل اهم ما اوحى به حديث سموه هو ذلك الجانب المتعلق بالصراع الثقافي والحضاري, والذي لاتقدر ان تخوضه الاقليات في محيطات الاكثرية, الى جانب ان اصرار الاقليات على خوضه لن يعود عليها بغير الخسائر, لان هذه الاقليات لن تصبح اكثرية مهما حاربت وشاغبت ومهما تسلحت وقتلت.
إن من الافضل لايران ان لاتتصرف بروح المنتصر, كما قال سمو الامير, لان هذا الانتصار ربما لن يستمر لانها تقع في منطقة عربية اكبر منها بكثير, وان تعتبر نفسها جزءا من هذا الفضاء العربي تتحد معه بالدين الواحد وبالقضايا العادلة الواحدة. هل تسمع طهران لاقوال الحكماء ام سيأخذها الغرور الى الهلاك?
احمد الجارالله