بحسب التقارير السكانية والاستراتيجية التي تصدرها مراكز الدراسات والأبحاث فإنه من بين إجمالي سكان دول مجلس التعاون البالغ 27 مليون نسمة وأكثر، يوجد ما يقارب الـ 13 مليون نسمة أعمارهم تقل عن العشرين عاماً، وهذا بحساب الأرقام والنسب يشكل 50% من مجموع السكان في الإقليم الخليجي، ما يعني ـ وهذا هو الأكثر أهمية ـ أن هذه الدول الحديثة سريعة التنمية والاندماج في المنظومة العولمية هي الأكثر شباباً، ويعني أيضاً ـ وهو مهم كذلك ـ أن هذه الدول تواجه حالياً تحدياً سكانياً هائلاً قد يتحول تدريجياً ليصبح في المستقبل القريب عاملاً ديموغرافياً قابلاً للانفجار نتيجة معطيات كثيرة نرصدها على أرض الواقع وداخل بنية هذه الدول.
القنبلة الديموغرافية السكانية يتطاير شررها المخيف اليوم في سماء العراق، المثل الصارخ للعنف في المنطقة، وما يحدث في بعض بلدان الخليج العربي يدلل على وجود شباب مأزوم، والأزمة هنا واضحة ولا تحتمل التأويل أو التجاهل، ذلك أن اختناقات الشارع الشبابي إذا صح الوصف بكل تداخلاته هو دون غيره، ما يفجر هذا العنف الذي نشهده اليوم، ومنذ ما قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001، وبعد حصول الحادث الذي اتهم فيه يومها شباب تنتمي غالبيتهم لأقطار عربية وخليجية!.
العنف إذن يأتي من قاعدة الشباب الذي يشكل البيئة الأكثر استقطاباً لعصابات الجريمة وتيارات العنف السياسية والدينية، لما يتمتع به من اندفاع وعاطفة وضياع في التوجيه والرؤية، وقد تكون الأوضاع الاقتصادية التعيسة في بعض الدول سبباً، وقد تكون البطالة المرتفعة وقد يكون الإعلام بكل عنفه وانحرافاته، وقد تكون المناهج التعليمية، والصدامات الثقافية الحضارية التي يتعرضون لها نتيجة التأرجح بين مستويات حضارية متفاوتة يعيشونها داخل مجتمعاتهم ويعايشونها كذلك في الخارج حين يتوجهون للغرب للدراسة أو السياحة، من دون أن ننسى بداية التفكك الأسري الذي أفقد الشباب عناصر التربية والتوجيه، وشبكات الانترنت، والفضائيات الدينية وفقدان القدوة الموجهة والمؤثرة في المنزل والمدرسة، كل ذلك وغيره يقودهم للتوتر وعدم الاستقرار وعدم الرضا عما حولهم وعدم تحقيق توقعاتهم التي ظلوا يحلمون بها طويلاً.
إن المجتمع الشاب في منطقة الخليج يعد تحدياً خطيراً بقدر ما ينظر إليه كميزة حسنة في سياق التنمية والتطوير والانفتاح، لكنه ليس بالأمر السهل الذي يجعل رجال السياسة والتحليل والرصد يمرون عليه مرور الكرام، ما يجعل من الضروري العمل بكل الطاقات، ووفق استراتيجيات دقيقة تضعهم في قلبها وتعمل على استقطابهم والالتفاف إليهم والاعتناء بهم وتوجيههم بما يخدم مستقبلهم ومستقبل التنمية والاستقرار والانفتاح السياسي في مجتمعهم، ذلك لا يتطلب جهداً لتغيير مناهج التربية الإسلامية فقط، إنه يتطلب جهداً جباراً في كل الاتجاهات وهي مهمة ليست بالسهلة على صناع ومتخذي ومنفذي القرار.