أخيراً تحقق حلم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وانتصر صوت الحكمة على صوت الرصاص، بركات مكة المكرمة ساهمت في تقريب وجهات النظر بين الإخوة المتخاصمين في فلسطين وأزالت جدار عدم الثقة الذي لازم محادثات الطرفين منذ أزيد من سنة، كان على العقل السياسي الفلسطيني، وبألوانه المختلفة، أن يشرع في ترتيب بيته الداخلي، ليكون قادراً على الصمود في وجه اشتباك سياسي محتوم مع ظرفه الخارجي المصبوغ بصبغة سياسات خارجية، صلح مكة يعتبر إنجازاً كبيراً لا يستهان به ما دام انه سيضع حداً للاحتقان الداخلي وسط شبح حرب أهلية.
لقاء مكة، في هذه الحال، ليس مجرد تتويج لتفاهم فلسطيني داخلي انتهى إلى التوافق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، بقدر ما هو بداية نهاية الصراع الدائر بين قطبي السياسة الفلسطينية: حركتي فتح وحماس. تشكيل حكومة وحدة وطنية بداية الطريق نحو إيقاف الاقتتال الدامي في المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإزالة شبح الحرب الأهلية الذي يخيم على الأراضي الفلسطينية، لكن الأمر مرهون بمدى تطبيق الاتفاق وضبط الأوضاع على الأرض في ظل الانفلات الأمني القائم، وفي حال غياب مسار سياسي حقيقي يفضي إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، فإن تدهور الأوضاع من جديد أمر أكيد.
فإن مجرد تشكيل حكومة الوحدة، سيبقي المشكلة بلا حل جذري، يطال النظام السياسي الفلسطيني بشكل شامل، كما يطال مرجعياته الأساسية: منظمة التحرير والشرعيات التي تحاول أن تكون بديلاً عنها، الأمر الذي يمكن تجاوزه فيما لو خلصت النوايا، بإعادة الحياة إلى مؤسسات المنظمة، بعد إعادة هيكلتها بما يتوافق مع الخريطة السياسية والتنظيمية الواقعية في المجال الفلسطيني وخلق قوة كفيلة بمواجهة الاحتلال الذي استثمر كثيراً في الوضع الداخلي إلى حد التمادي الإسرائيلي في الاعتداء على المسجد الأقصى وقيامها بأعمال الردم والحفر في محيطه.
الفلسطينيون ظلوا يكتسبون التعاطف الدولي في مجلس الأمن يوماً بعد يوم لعدالة قضيتهم، وفي وقت بدا للجميع بدءاً من الأوروبيين وحتى المعتدلين في الإدارة الأميركية أن نزع فتيل الأزمة في الشرق الأوسط لا يكون إلا بالحل الشامل انطلاقاً من القضية الفلسطينية، وان سياسة الحلول المجزأة لم تفضِ لشيء، إذا بالفلسطينيين يجدون أنفسهم على أعتاب حرب داخلية بعد خسارة ما اكتسبوه خلال نضالهم الشريف في تحقيق العدالة وإرجاع الحق لأهله، اقتنعوا خلال لقاء مكة المكرمة أن الحل يتجسد بتحقيق وحدة وطنية، مستندة إلى قراءة مشتركة، في ظل حوار حضاري صريح بين القوى نفسها، للخروج من المأزق، دون أي نظرة فئوية فصائلية تنظيمية ضيقة، لأن مثل هذه النظرة تصيب المرء بالعمى السياسي.
بحيث يفضل الفصيل المصلحة الذاتية على المصلحة العامة، ويبقى الرهان الأساسي هو التوصل إلى اتفاق نهائي بين الفصائل، بلون سياسي قادر على فك الحصار والانطلاق نحو تحقيق برنامج الحد الأدنى. فوحدة الشعب الفلسطيني أهم من كل التحالفات الإقليمية والمصالح الداخلية الضيقة والدم الفلسطيني أقدس من أن يسال تحقيقاً لمصالح فئوية.
الاستغراق في الهم الداخلي، وتحويله إلى حلقة مركزية على حساب مهمة مواجهة الاحتلال، لا يكون إلا تيها، وإضاعة للاتجاه والصواب الوطني بكل ما تحمل الكلمات من معنى.
فقد كان طبيعياً ومنطقياً، التركيز على الشأن الداخلي بكل ما فيه، وما علق به من هموم جدية، تراكمت على مدى زمني غير قصير، بدءاً من تعدد الأجندات عروجاً على صنوف من الفوضى والفلتان الأمني، وصولاً إلى مظاهر قاسية من الفقر والبطالة؛ زاد طينها بلة انسداد الأفق السياسي مع الإسرائيليين، واتضاح معالم مخططهم لفرض رؤيتهم حول التسوية السياسية.
ووسط هذه المعطيات فقد حان الوقت لاتفاق يفضي إلى تصليب الصف الوطني الفلسطيني في مواجهة الاحتلال.