يحار المرء وهو يتابع ردود الفعل العربية والإسلامية على عمليات الهدم الإسرائيلية ضد المسجد الأقصى، فأقل ما توصف به هذه الردود انها رخوة وهزيلة، فقد اكتفى العرب والمسلمون بالاستنكار الكلامي، وكأن المسجد الأقصى لا يستحق منهم أكثر من ذلك، فيما صمتت أميركا وأوروبا وغيرهما من القوى الكبرى.
ولو قارنا ردود الفعل هذه بما كانت عليه الردود المماثلة عربياً وإسلامياً عند محاولات طالبان هدم تماثيل بوذا في باميان، فسنجد أن الردود كانت آنذاك في أشد حالات الاستنفار، وبذل معظم الرسميين العرب الكثير من الجهود لمنع هدم التماثيل، وأرسلوا وفوداً من السياسيين وعلماء الإسلام لإقناع طالبان بالعدول عن موقفها، لكن كان ما كان وأخطأت طالبان.
المتغير الوحيد المحدد لردود فعل العرب والمسلمين في الحالتين كان الموقف الدولي وبالأدق الأميركي، ففي حالة طالبان كان هناك استنفار أميركي أصاب معظم الرسميين العرب والمسلمين بالعدوى، فصاروا في أقصى درجات الاستنفار، في حين أن العملية الإسرائيلية تحظى بمباركة أميركية، فلم يحظ الأقصى ـ رغم مكانته المقدسة ـ بأي اهتمام عالمي حقيقي وجاد، وكأن هذه الحالة أيضاً أصابت معظم الرسميين العرب والمسلمين بالعدوى ففتر اهتمامهم وفترت همتهم. وكأن تماثيل بوذا أهم عند هؤلاء من المسجد الأقصى المبارك، مع التسليم بأن المساس بأي رمز ديني أمر مرفوض تماماً في الإسلام.
إن هدف إسرائيل تجاه الأقصى معلوم للجميع بالضرورة، وهو الهدم التدريجي لبناء الهيكل المزعوم مكانه، لذا يتحرك الإسرائيليون وفق مخطط استراتيجي وينفذونه على مراحل متدرجة ومتصاعدة، فيما نحن نخفف من مواقفنا وردود أفعالنا كل مرة وكأننا تكيفنا مع استراتيجيتهم، وكأننا صرنا جاهزين نفسياً للقبول بمخططاتهم التدميرية. وهذا ما تريده إسرائيل ويبدو أنها تنجح فيه بالفعل.
ولو أننا عكسنا الحدث، فهل كانت إسرائيل تقبل أو تصمت أن مس أي عربي أو مسلم حائط المبكى، مع العلم إن هذا الحائط هو رمز إسلامي تم اغتصابه وسرقته. بالطبع كانت إسرائيل ستقيم الدنيا كلها ضد العرب والمسلمين بمعاونة أميركية، ولم تكن أي منهما لتفوت هذه الفرصة لمزيد من توجيه الاتهامات الكاذبة ضدنا بالإرهاب، وسوف تجاريهما أوروبا وأيضاً بعض الدول العربية والإسلامية.
إن العجز العربي أمام إسرائيل وأميركا ليس جديداً علينا نحن العرب والمسلمين، لكنه كان دوماً على صعيد السياسة والاقتصاد، وليس على صعيد الدين والمقدسات، لأن الدفاع عن الدين والمقدسات أمر واجب بالضرورة على كل مسلم رسمياً كان أو شعبياً، فلا مجال هنا للتفرقة أو التملص من هذا الواجب.
كان من الواجب علينا جميعاً سرعة التحرك بكل السبل على الصعيد الدولي ولو بعقد قمة عربية أو إسلامية طارئة يكون جدولها الوحيد إنقاذ الأقصى ومنع إسرائيل من تنفيذ عمليات الهدم، ومنعها أيضاً من المساس به مستقبلاً، لكن هذا لم يحدث، على الرغم من ان منظمة المؤتمر الإسلامي تكونت بهدف إنقاذ الأقصى والقدس كإحدى أهم أولوياتها.
الوقت لم يفت بعد إذ يجب دعوة مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو لاستصدار قرارات دولية تدين أعمال الهدم الإسرائيلية، وتمنعها عنه مستقبلاً، مع العمل على وضع هذه القرارات موضع التنفيذ وفق آليات تكفل توفير الحماية الفعلية له من أية اعتداءات. خاصة وان الأقصى ينطبق عليه القرار الدولي رقم 242 الخاص بالأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967.
لا شك أن حالة العجز العربي والإسلامي تصب في تقوية الموقف الإسرائيلي والتواطؤ الأميركي، لكنها في الوقت ذاته تصب في مصلحة قوى تعرف أميركا بأسها وقوة غضبها، فالعجز عن حماية المقدسات يدفع ـ ان عاجلاً أو آجلاً ـ بهذه القوى أو غيرها لمحاولة سد الفراغ الناجم عن هذا العجز، فالدفاع عن الأقصى واجب شرعي على كل مسلم وليس على الفلسطينيين فقط.
وإذا كانت أميركا فعلاً جادة في علاج أسباب الكراهية والعداء لها فعليها أن تتصرف تجاه الأقصى الشريف بنفس الاستنفار والحماس اللذين كانت عليهما وهي تحاول إنقاذ تماثيل بوذا، أي وقف إسرائيل ومنعها كلية من تنفيذ مخططاتها واستراتيجيتها تجاه الأقصى الشريف، وإلا فإنها بتواطئها مع إسرائيل وتعجيزها للعرب تقوي من الكارهين والمعادين لها، وسوف تتأثر مصالحها في العالم العربي والإسلامي مهما طال الزمن أو قصر.