من أكثر الأمور التي تخيف أي كاتب هي أن تصبح كلماته مدحا كالذم أو غناء كالنباح أو حلما كالكابوس أو إعجابا كالتملق وأرجو أن لا تكون كلماتنا ذما أو نباحا أو كابوسا أو تملقا .فهي في الواقع كلمات من إنسان قادم من بلد مجروح وجيل مذبوح .
جيل تربى ان يحلم ببلد عربي لديه القدرة على ان يجعل للدماء المهدورة على طول تاريخ الأمة دماء ذات معنى، بلد يمكن أن يحفظ للعرب كرامتهم المهدورة تحت رماح الغازي الأحمق والطامع الأخرق .بلد يعيد لنا بعض الفجر بعد أن صار الظلام حالكا حتى أصبح يقتل بعضنا بعضا ويظلم بعضنا بعضا .وعليه فشجاعة هذا البلد وشجاعة قادته هي التي ألهمتنا الكلمات والأفكار، أليست تلك شجاعة ان يتم الإعلان عن خطة تنموية كبيرة في زمن يتميز بالمتغيرات التي تعصف بأقوى الدول فكيف الحال بدولة عربية قدرها الجغرافي ان تكون في قلب الأعاصير؟.
نعم خطة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، ذلك القائد العربي درس جديد، درس عنوانه ان الشجاعة لا تأتي إلا في الزمن العصيب وليس هناك من زمن عصيب مرير مثل الذي تمر به أمتنا . أليست تلك شجاعة ان يقدم قائد عربي على خطة تنموية هائلة وعميقة تقف أمامها اكبر اقتصاديات العالم وقفة منبهر خجول؟
انه درس بسيط لم يتعلمه أولئك القادة الذين رافقونا أو فارقونا منذ مطلع الخمسينات من القرن المنصرم والذين ظلوا يدرسونا ان التنمية لا يمكن ان تتم في زمن الحرب الباردة أو قبل ان تتحرر كل الأرض العربية أو قبل ان ينتهي القطب الواحد أو يموت زيد أو يقتل عدنان . واستمرينا في تلك الأوهام حتى أفقنا بعد ان صرنا مشردين وضاعت بلادنا العربية وضاعت قضايانا وحدودنا ورؤوسنا .والبعض منا أصبح مقاتلا بلا حرب أو عدو ومناضلا بلا نضال أو قضية .
هذه الخطة التنموية هي عبارة عن إستراتيجية مستقبلية لتحقيق التنمية المستدامة في القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والإدارة الحكومية إضافة إلى التعليم والصحة .وبالتالي فهي تسير في خمس اتجاهات أساسية :
الاتجاه الأول :تعزيز الأفق المستقبلي لأداء إداري حكومي فاعل و تطوير الهيكليات الإدارية الحكومية لكي تصبح قادرة على تلبية متطلبات العملية التنموية والتفاعل السريع مع مخرجاتها .وتنمية الموارد الحكومية من خلال إعادة النظر وتطوير نظام الخدمة المدنية .
الاتجاه الثاني :التنمية الاقتصادية والتي تهدف إلى الارتقاء بالاقتصاد في مدينة دبي إلى مصاف القوى الاقتصادية الناشئة مثل الصين والهند .
الاتجاه الثالث:تطوير الواقع الاجتماعي لمدينة دبي بالشكل النموذجي المواكب للخطط التنموية سواء من حيث الخدمات الاجتماعية أو البناء الاجتماعي وخاصة الصحة والتعليم والمواطنة .
الاتجاه الرابع: تطوير البنية التحتية وفق أسس التوازن الحضري والمحافظة على الموارد الطبيعية .
الاتجاه الخامس :بناء وتطوير أسس الأمن الوطني بالشكل الذي يدعم ويحافظ على المنجزات التنموية .
هذه الاتجاهات الخمس هي في الواقع أهم ملامح هذه الخطة التنموية الشجاعة وهي تعنى بمدينة عربية نموذجية هي مدينة دبي لكنها في الواقع تسعى إلى دعم اقتصاد وبناء دول الإمارات العربية بكل مدنها وإماراتها من خلال الإيمان بان النجاح في تنمية الجزء هو السبيل إلى تنمية الكل ولارتقاء بالكل من خلال أسلوب النموذج .وهو الأسلوب الذي سارت عليه التنمية في دولة الإمارات العربية .
عموما صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وقادة الإمارات جيل جديد من القادة سوف يصنع جيلا جديدا من الشباب العربي .هذا الجيل الجديد سوف يحلم بواقعية وسوف يبني تجربته التنموية رغم كل معاول الهدم الذاتية والخارجية .جيل يضع استراتيجيات البناء والتنمية بقوة وثقة عالية بالذات .انها تلك القيادة القائمة على تعزيز النظرة المستقبلية والتفكير الاستراتيجي ،والمبادرة الخلاقة .جيل لاتهمه صعاب الحاضر والمستقبل ولا يضع على كاهله من وكيف وماذا ولهذا ،انه يهتم بإخراج أفضل ما يمكن إخراجه من طاقات خلاقة لتدعم مسيرة البناء.
جيل لا يتعامل مع الآخرين على انهم اعدء ووحوش من كوكب الاستعمار والاستبداد والقتل والكفر .حتى صرنا نقتل ونكفر ببعضنا .انه يتعامل مع الآخر على أساس القوة والحكمة أو بمعنى اصح الحكمة القوية والقوة الحكيمة التي تتحقق متى ما أثبتنا للآخر اننا قادرون على الانجاز ذلك الانجاز الذي سيستفاد منه نحن وأنت والإنسانية استفادة قائمة على التبادل والمبادلة ولن نخاف ان تكون عادلا أو لا تكون فأنت لابد ان تكون عادلا مع بلد وقيادة جادة في البناء وهذا ما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في كلمات لم يعد احد منا قادرا في هذا الزمن العصيب ان يجرؤ على قولها (سنقدم لعالمنا البرهان على اننا قادرون على الفعل والحضور وعلى التواصل والتفاعل والتعايش والتعاون مع الآخرين).
خطة دبي التنموية ليست حلما بل إنها واقع أصبح الهدف منه الارتقاء بهذا الواقع لكي يصل إلى المستقبل بمعنى ان يكون وصوله إلى المستقبل فاعلا وخلاقا وليس تحصيل حاصل لعملية تنموية تقليدية .لماذا؟.
لان العمليات التنموية التقليدية أثبتت فشلها نظرا لخضوعا للواقع ومتغيراته وبالتالي لا تميز ولا امتياز عندما تخضع التجربة التنموية لمتغيرات الزمان والمكان وسيكون معدل الانجاز أقل من الطموح مهما بلغ حجم الانجاز أو تنامى كما أو نوعا.وهذا هو المقصود من مشروع دبي حيث يبدا المستقبل .وهذه هي الشجاعة الحقيقية انها البناء الذي لا يعترف بالزمن العصيب. وهذه هي نوع المعارك الحقيقية التي على العرب خوضها. وهذا هو السلاح المطلق الذي كان لابد ان يتسلح به العرب.
كاتبة عراقية