«إذا أردت أن تتقدم بسرعة فامش وحدك، لكن إذا أردت أن تذهب أبعد فامش مع الآخرين»، هذا ما يقوله مثل افريقي رددته المستشارة الألمانية، ورئيسة الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي، في كلمتها أمام منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا قبل أيام.

ولم تنس السيدة ميركل أن تضيف مباشرة «منعا للالتباس» أن الولايات المتحدة الأميركية هي «بالطبع» في عداد أولئك «الآخرين» الذين تعوّل أوروبا عليهم ل«الذهاب أبعد» إذ قالت: «بفضل التعاون عبر الأطلسي سنحقق تنمية مستدامة مثلما شهد القرن التاسع عشر، وأيضا مثلما شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية».

إن السيدة ميركل قد عبّرت، ضمنيا، عبر جدل «الأنا» و«الآخر» عن إرادة أوروبا بأن يكون لها صوتها الفاعل فيما يتعلق بتسيير شؤون العالم وذلك أبعد مما هو يتعلق بمسألة «التنمية»، رغم أهميتها. ولا يختلف اثنان اليوم أن الاقتصاد العالمي يعرف حالة من الازدهار، كما دلّت بوضوح المؤشرات والأرقام التي قدمها المشاركون في منتدى دافوس؛ ولكن لا يختلف اثنان أيضا أن التهديدات «تزدهر» هي الأخرى في عالم اليوم.

في مثل هذا السياق من النمو الاقتصادي العالمي، الذي يؤكد الخبراء أنه سيستمر على مدى السنوات القليلة المقبلة على الأقل، ولكن أيضا من عدم الاستقرار وتنامي التهديدات تطرح أوروبا على نفسها بقوة اليوم، نظرا لواقع العالم المتغير، السؤال المطروح عليها أصلا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والخاص بخيارها المستقبلي في ميدان الدفاع والأمن. وهل تريد إقامة منظومة دفاعية أوروبية مستقلة ذاتيا أو منظومة دفاعية، «ملحقة» مهما اختلفت التسميات، بالحلف الأطلسي ـ الناتو ـ ذي التوجه و«الهوى» الأميركي؟

هناك في أوروبا من يرى البناء الأوروبي الموحّد على شاكلة «سويسرا كبيرة» مزدهرة ومكتفية ببعد التنمية و«رفاهية» مواطنيها بعيدا عن أي طموح سياسي حقيقي ودون أية قدرة على الفعل فيما يخص المسائل المصيرية التي يواجهها العالم وربما التغني ب«أمجاد الماضي» بحيث «ترتاح وتريح». وبالتالي تتبنّى مفهوما دفاعيا يهتم بالأمن الداخلي «الأوروبي» ويتسم بقدر كبير من الاستقالة فيما يخص ما وراء حدود أوروبا، أي بتعبير آخر يكون «تابعا» للحلف الأطلسي وللقيادة الأميركية.

مثل هذا التوجه «المحايد» لا يجد صدى واسعا لدى أصحاب القرار في بلدان الاتحاد الأوروبي الأساسية وشعوبها وعلى رأسها الثنائي الفرنسي ـ الألماني الذي يلعب دور المحرّك في مسيرة التوحيد الأوروبي. هنا يتم التأكيد على ضرورة أن تصبح أوروبا قوة كبيرة لها شأنها في العالم ولها كلمتها في تسيير شؤونه. ويطالب أصحاب هذا التوجه بالجمع بين بناء أوروبي «مزدهر» و«فاعل» على المسرح الدولي بنفس الوقت، لكن كيف؟

لقد اكتشفت أوروبا أثناء حرب الخليج الأولى عام 1991، والتي شارك فيها ائتلاف دولي كبير مع تأييد مجلس الأمن الدولي، مدى ضعف قدرتها على صعيد التعبئة العسكرية بالمقارنة مع الولايات المتحدة الأميركية وما استطاعت أن تحشده من قوات وسلاح. وأدرك الأوروبيون أنه عليهم «ترميم» الخلل الكبير في موازين القوى العسكرية إذا أرادوا أن يكون صوتهم قويا وبالتالي أن يعيدوا النظر بمنظومتهم الدفاعية وبمفهومها. ومثل هذا «الوعي» ازداد وتضاعف مع حرب العراق الأخيرة التي عارضتها دول أوروبية رئيسية لكنها لم تستطع منعها، ثم اضطرت للتعامل مع نتائجها حسب المنظور الأميركي، في واقع الأمر.

لا شك أن المسألة الدفاعية كانت في صميم المشروع التوحيدي الأوروبي منذ بداياته، بل حتى قبل توقيع معاهدة روما عام 1957 التي كانت النواة الأساسية الأولى للاتحاد الأوروبي والتي يحتفل الأوروبيون في 24 شهر مارس القادم بالذكرى الخمسين لتوقيعها وسيكون الاحتفال في برلين، رمز التقسيم الأوروبي «السابق». ففي عام 1947 وقعت ستة بلدان أوروبية ما سمي ب«اتفاقية بروكسل» التي نصّت على توحيد الجهود من أجل مواجهة أي تهديد خارجي، أي «سوفييتي» في قاموس تلك الفترة. وفي عام 1952 تأسست المجموعة الأوروبية للدفاع التي ارتقبت «إنشاء جيش أوروبي مشترك». بالطبع لم يقم ذلك «الجيش» إذ لم يكن الواقع الأوروبي وجراح الحرب ـ الطرية آنذاك- يسمحان بذلك.

ودون الخوض في تفاصيل المواقف والمتعرجات التي عرفها مفهوم الدفاع الأوروبي برزت بعد سقوط جدار برلين عام 1989 وتوقيع معاهدة ماستريخت عام 1992 حالة نوعية جديدة مع «فقدان» العدو السوفييتي. وكانت فرنسا وراء محاولة إحياء مفهوم «الدفاع الأوروبي المستقل» وإنما «المتكامل» مع المفهوم الأطلسي. بكل الحالات بقيت الحدود «مرنة» بين استقلالية القرار الدفاعي الأوروبي والانضواء تحت سلطة الإرادة الأطلسية، أي الأميركية.

وفي ظل المعطيات الدولية الراهنة يبدو أن هناك تباينا كبيرا بين الرؤية الاستراتيجية المستقبلية الأوروبية وبين الرؤية الأميركية ـ الأطلسية. إذ مهما كانت «حرارة» التأكيد على ضرورة «الحرب العالمية ضد الإرهاب» فإن لأوروبا رؤيتها الدفاعية الخاصة أمام حالة عدم الاستقرار التي يتسم بها عالم اليوم. وذلك بفعل عامل أساسي هو موقعها الجغرافي، لاسيما أن «الجغرافيا تخدم أولا في صناعة الحروب»، كما جاء في عنوان كتاب للعالم الجغرافي الفرنسي الكبير ايف لاكوست. والمحيط الجغرافي لأوروبا يجعلها على «الخط الأمامي للجبهة» لاسيما بسبب قربها من منطقة الشرق الأوسط حيث لا يزال العراق وفلسطين «جرحين فاغرين» وحيث تتلاحق أحداث العنف وتتشابه، مما يجعل من هذه المنطقة أخطر بؤر عدم الاستقرار في العالم. لكنها ليست الوحيدة، والبؤر الأخرى ليست بعيدة عن أوروبا كذلك.

ما يبدو واضحا اليوم هو أن التوجه الأوروبي السائد يدعو إلى تعزيز الدفاع المشترك وأن يكون للقارة صوتها القوي الذي يقول «لا» للرؤية الأحادية «الأمنية» للعالم التي ترفعها الإدارة الأميركية الحالية والتي أثبت الواقع مدى «عبثيتها». وأوروبا تعتبر أنها تمتلك الشرعية «التاريخية» لتمتلك مثل هذا الصوت «الحر»، والمطلوب عالميا، وذلك على أساس أن «من سيضحي بالحرية من اجل زيادة تعزيز أمنه سوف يخسر الاثنين، كما قالت السيدة ميركل في دافوس أيضاً.

إرادة الذهاب «أبعد» مع الآخرين؟ نعم، لكن إلى أين؟

كاتب سوري ـ باريس