لا مبالغة في القول بأن الفتنة الطائفية أو المذهبية التي تطل على أمتنا العربية والإسلامية في العراق ويراد تصديرها إلى لبنان لتوزيع شرورها على امتداد الأمة كلها لإغراقها في حروب أهلية لخدمة الأجندات الخارجية بأدوات محلية هي من أخطر الفتن التي تواجه أمتنا منذ «الفتنة الكبرى»، والذي يتطلب من كل قوى الأمة الدينية والفكرية والسياسية والإعلامية التصدى لها والعمل على تطويقها في ضوء عدة حقائق يلزم التأكيد عليها وهي:
* أن الفتنة كانت نائمة ولعن الله من أيقظها، والمطلوب اليقظة لمواجهتها.
* المشكلة سياسية لامذهبية، والحل لايمكن أن يكون إلا سياسيا ودينيا.
* السياسة بطبيعتها تفرق بينما الدين في جوهره يوحد، فلا ينبغى توظيف الدين لخدمة السياسة بل لإصلاح ماتفسده السياسة.
* مايجرى هو أحد أشكال مؤامرة التقسيم والتفتيت والإنهاك لقوى الأمة.
* أطراف الفتنة يخدمون عدوهم ولن ينتصر فيهم أحد وكلهم خاسرون.
* من يشعلها أويشارك فيها لايمكن أن يكون وطنيا ولا قوميا ولا مسلما.
* صوت العلم الداعى إلى السلم في مواجهة الجهل المحرض على الفتنة، ونهج الحكمة الدافعة إلى الحوار والمشاركة والعدالة والتسليم بالحقوق في مواجهة الحماقة الرافعة للسلاح والمستأثرة بالسلطة والظالمة لنفسها ولغيرها من القوى الوطنية.. هذا الصوت الرشيد مازال مطلوبا على كل المستويات.
* الدين هو الأصل والمذاهب في أي دين هي اجتهادات فقهية في الفروع، والفتنة المذهبية تعكس اختلالا في الأولويات حين يصبح الانتماء إلى المذهب هو الأصل والانتماء إلى الدين هو الفرع!
* علماء الدين يدعون الناس إلى الإيمان بالحكمة والموعظة الحسنة وليس بالقتل من منطلق أنه لاإكراه في الدين وبالتالي فلا إكراه في المذهب..
وفقهاء السنة والشيعة لايقرون الفتنة ويعلمون أن المتورطين في إشعالها شهود زور على كلا المذهبين، فمن يقتل أخاه المسلم أو يروعه لايمكن أن يكون سنيا ولاشيعيا لسبب بسيط أنه لايمكن أن يكون صحيح الإسلام.
وحكماء السياسة يرفضون الصراع الدموى الأهلى لابين أتباع الأديان ولابين أتباع المذاهب ولابين القوى السياسية الوطنية، وفي هذا نحترم كثيرا صوت عقلاء المراجع الدينية والقومية الوطنية وهم يدينون الفتنة.
وهنا أستعيد تحذير رجل الدولة اللبناني الكبير الدكتور «سليم الحص» من المؤامرة الأميركية الصهيونية على الوحدة الوطنية بمحاولة نقل سيناريو الفتنة المذهبية من العراق إلى لبنان قائلا: «في مثل هذا الصراع البائس بين سنة وشيعة أرفض أن أكون سنيا وأرفض أن أكون شيعيا وأصمم فقط على أن أكون مسلما».
ولأن الناس أعداء لما جهلوا.. فإن جهود مواصلة الحوار بين العلماء المسلمين من شتى المذاهب الإسلامية بهدف توفير الفهم الصحيح للدين ولتحقيق التفاهم بين الاجتهادات بحيث لاينقل عنها ماهو دخيل عليها كانت أمرا محمودا وبعيد النظرمن فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر بانشائه مركزا للتقريب بين المذاهب في رحاب الأزهر الشريف.
وإذ جاءت هذه المبادرة من مصر فذلك أمر طبيعى لأن أهلها لايفرقون بين مسلم ومسلم على أساس المذهب وعلماؤها يسيرون في نفس الاتجاه على أساس أن الاختلاف بين المذاهب رحمة، وأن الاجتهادات الفقهية بين العلماء أمر مطلوب ومثاب بأجر في الخطأ وأجرين في الصواب، لكن التعصب الناتج عن الجهل فقط هو الذي يحولها إلى فتنة.
كما أن أهل مصر الذين يهيمون حبا بآل البيت وتحتضن عاصمتهم «القاهرة» مقاماتهم الشريفة إلى جوار المساجد الكبرى فيها وفي مقدمتهم مقام «الإمام الحسين» «السيدة زينب»، و«السيدة نفيسة» بكل تكريم، هم أنفسهم يثيرغضبهم التطاول على الصحابة، وغالبيتهم يتبعون علماءهم السنة في الأزهر الذي بناه الفاطميون الشيعة.
وهنا أيضا أتذكر تأكيد سماحة السيد «حسن نصر الله» أن مؤامرة إشعال فتنة بين السنة والشيعة في لبنان لا يمكن أن تمر، وأن الاقتتال بين المذاهب خط أحمرلن يسمح به، وحتى في المواجهة السياسية رفض الاحتكام للسلاح قائلا: «لو قتلوا ألفا منا فلن نسمح لأنفسنا أن نقتل أحدا منهم»، وذكرني ذلك بقول «هابيل» لأخيه «قابيل»: «لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين» (المائدة 28).
إننا يجب ألا نتجاهل أن نار الفتن التي كانت تحت الرماد لأسباب سياسية ينبغى حلها وطنيا، لكن علينا ألانتجاهل أن النفخ فيها وصب الزيت عليها وتوظيفها غالبا مايأتى بتدخلات خارجية.لكن المثير للأسى أن الأدوات ائما كانت عربية وإسلامية وهي المسؤولة تاريخيا عن السماح باشتعالها حتى وإن لم نتغافل عن أن سيناريو المؤامرة صهيونى أميركى.
في النهاية فإن السلام أقل كلفة من الحرب وأعظم خيرا بينما الحروب والفتن أعلى كلفة وأسوأ شرا.
إن عشرات الملايين من ضحايا الحروب العالمية والصراعات الأهلية في العالم على مر التاريخ الإنساني، تشير إلى أن صراع الإنسان مع أخيه الإنسان مستمر، و منذ أول جريمة في التاريخ بقتل «قابيل» لأخيه «هابيل» لا يزال الصراع مستمرا بين دعاة الخير ودعاة الشر، والنور والظلام، والعلم والجهل، والعدل والظلم، والحرب والسلام، و في النهاية بين إنسان قاتل وإنسان مقتول، ومعتد ومعتدى عليه.
لكن سؤالا صارخا يردده ملايين العرب والمسلمين كصدى لصرخات المكلومين والثكلى في العراق، وترديدا لإدانات العلماء والحكماء العرب رفضا سقوط الآلاف من الضحايا الأبرياء بغير جريمة والمقتولين بغير ذنب، ليس فقط لأنهم سنة أوشيعة بل لأنهم عراقيون عرب ومسلمون قتلهم بعض إخوتهم من العراقيين المتورطين في معاونة الشيطان.
ليأتي السؤال المفعم بالمرارة والأسى والذي نرجو ألا نوجهه بعد العراق إلى لبنان أو فلسطين. «قابيل.. ماذا تفعل بأخيك؟».
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com