ربما لا توجد شخصية في عالم الغناء العربي الحديث قد حازت من الشهرة والتقدير والاحترام مثلما حصلت عليه سيدة الغناء العربي أم كلثوم. فعبر مسيرة فنية امتدت لأكثر من نصف قرن من الزمان، استطاعت أم كلثوم بثبات وبمثابرة وبجلد أن تؤسس لنفسها مكانة لم تصلها أية مطربة عربية أخرى طوال القرن العشرين وحتى الآن.
وتضعنا شخصية أم كلثوم في حيرة شديدة من حيث استمرارية الإقبال على أغانيها من كافة الأعمار والأجيال. فبرغم التنوع الشديد للأغنية العربية المعاصرة، وارتباطها بالفيديو كليب والجوانب التكنولوجية الحديثة، إضافة لما يصاحبها من مساحات مشهدية هائلة، ومثيرات جنسية صارخة، فإن المستمع العربي يعود سيرته الأولى إلى الإقبال على سماع أغاني أم كلثوم، والانتقال من الحالة البصرية للأغنية العربية المعاصرة إلى الحالة السمعية الخاصة بأم كلثوم. كما أن ظاهرة أم كلثوم تؤكد من جديد أن الفن لا يحتاج إلى وسيط، ولا يحتاج إلى جوائز دولية سخيفة ومغرضة مثل تلك التي يهلل لها البعض الآن، وهم يفرضون علينا أسماءً هابطة تطل علينا من القنوات الفضائية ليل نهار، بدون أية ضوابط، وبدون أية التزامات فنية وأخلاقية حقيقية.
وربما لا يوجد شيء يجتمع عليه العرب منذ ما يزيد على نصف قرن ولا يختلفون حوله مثلما هو الحال مع سيدة الغناء العربي، التي أعتقد أنها تجاوزت بغنائها وبفنها وبشخصيتها الحدود القطرية الضيقة لتؤسس انتماء عربيا قويا وحقيقيا. وعلى الذين يهاجمون القومية العربية بمنتهى الصفاقة والابتذال أن يفسروا لنا سر هذا الإجماع العربي من المحيط إلى الخليج حول الاستماع لأم كلثوم، التي تغني بالعربية وليس بأية لغة أخرى. فالعروبة ليست محض خيال كما يتصورون، وكما يطرحون، هناك قواسم مشتركة، بغض النظر عن السياسة وأدرانها، تفرض حضوراً عربيا قويا، وليست ظاهرة أم كلثوم إلا أحد تجليات هذا الحضور.
وُلدت أم كلثوم في الرابع من مايو عام 1904، في إحدى قرى الدلتا المصرية، لأسرة فقيرة، حيث تعلمت الغناء من أبيها، عبر ارتيادها أفراح القرية والمدن المجاورة واحتفالاتها الفقيرة. وفي عام 1923، انتقلت إلى القاهرة، بعد أن حازت على شهرة كبيرة في منطقة الدلتا، وبشكلٍ خاص في غناء القصائد والموشحات الدينية. وفي القاهرة التقت بالملحن أبوالعلا محمد، الذي أصبح معلمها الرئيس فيما بعد، وهو الذي قدمها للشاعر أحمد رامي الذي علمها الشعر بدوره، كما أنه كان بمثابة الوسيط بينها وبين المجتمع القاهري الغريب عليها.
وعبر مسيرة أم كلثوم الطويلة، التقت بنخبة من أهم كتاب الأغنية العربية مثل: أحمد رامي، وأحمد شوقي، ومحمود بيرم التونسي، وطاهر أبوفاشا، ومحمود حسن إسماعيل، ومأمون الشناوي، ومرسي جميل عزيز، وصلاح جاهين.
كما أنها التقت بأساطين التلحين في عصرها مثل: أبوالعلا محمد، وأحمد صبري النجريدي، وعبده الحامولي، ومحمد القصبجي، وزكريا أحمد، ورياض السنباطي، ومحمد الموجي، وكمال الطويل، وبليغ حمدي، ومحمد عبدالوهاب. كما أن أم كلثوم استطاعت أن تفتح المجال أمام الكثيرين من هذه الأسماء ليشتهروا ويحققوا ذيوعاَ مصريا وعربيا واسعا مثل رياض السنباطي وكمال الطويل وبليغ حمدي. فقد كان من حظ أم كلثوم أن تلاقت موهبتها وتفانيها في العمل مع شخصيات مبدعة أخرى قل أن يجود بها العالم العربي مرة أخرى.
لقد استطاعت أم كلثوم عبر مسيرة حياتها الطويلة أن تنتقل من مرحلة غنائية لأخرى، وأن تطور من مسيرة الأغنية العربية، سواء من خلال الكلمة، أو من خلال اللحن، أو من خلال الآلات الموسيقية الحديثة التي أدخلتها على فرقتها الموسيقية، أو من خلال الأداء. وعبر كل هذه الأشكال التجديدية، كانت أم كلثوم تقرأ المرحلة التاريخية بعناية ودقة، لتصيغ مزاج المستمع العربي، بدون أن تنقاد له، وبدون أن تفرض عليه أغنيات لا تتلاءم مع ذائقته العربية.
ومن اللافت للنظر هنا أن أم كلثوم كانت تتدخل في كل صغيرة وكبيرة فيما يختص بأغنياتها، من الكلمة وحتى اللحن، إلى الحد الذي جعل الكثيرين يرون فيها شخصية صارمة وحادة الطباع فيما يتعلق بعملها وفنها.
ورغم شهرتها منقطعة النظير في الغناء الرومانسي، وظلم الحبيب، وهجرانه، إلى الحد الذي جعل بعض النسويين يصفون الكثير من أغنياتها بوصفها تعبيراً عن حالة مطلقة من هوان المرأة العربية تجاه الرجل، فإنها أبدعت في كافة مجالات الحياة الأخرى. فأغاني الحب العديدة التي غنتها مثل «زارني طيفك في المنام» و«أنا في انتظارك» و«حبيبي يسعد أوقاته» و «أنساك يا سلام» و«سيرة الحب» و« الأطلال» ورائعة أحمد شفيق كامل وعبدالوهاب «إنت عمري» كلها تخلق حالة رومانسية. ورغم شدة الضعف المرتبطة بها، إلا أنها تحمل معاني ودلالات ذكورية وأنثوية، بحيث تنطبق على الرجل مثلما تنطبق أيضاً على الأنثى.
لقد خلقت أغاني الحب الكلثومية رومانسية عربية فريدة، ورغم ما يقوله بعض النسويين، فإنها أطلقت العديد من الآهات والأسى والبهجة والفرح واللذة في الوقت نفسه. وعلينا هنا أن نتذكر أن ميعاد أغنية أم كلثوم الشهري كان حدثاً قوميا عربيا بامتياز، ينتظره المحبون والعشاق رجالاً ونساءً على السواء. ورغم أن معظم الأغنيات العربية المعاصرة تتحدث عن الحب والعشق والغرام، إلا أنها تتسم بالحسية الكاملة، بدون صور فنية وبدون جماليات حقيقية. فما يتابعه المشاهد العربي الآن من تكامل بين الكلمات الحسية والصور العارية والرغبة المفرطة، يكشف عن خواء غنائي عربي حقيقي.
وعلى ما يبدو أن أم كلثوم، رغم كل هذا الكم الهائل من أغنيات لا تتلاءم والحب والوله، لم تحب حباً حقيقيا. وإنها لمفارقة غريبة، أن تغني للمحبين وللعشاق، بدون أن تحب حباً حقيقيا. ويظل هذا الجانب، رغم الكثير من القيل والقال حول حياتها الخاصة، غير واضح في حياة أم كلثوم. لكن الشيء الواضح والأكيد هنا، أن الحب الحقيقي في حياة أم كلثوم كان يظهر واضحا وجليا عبر غنائها وتوحدها مع كلمات أغانيها، حيث تصبح هذه اللحظات أحب اللحظات إلى قلبها، وأكثرها رومانسية في حياتها.
إضافة إلى ذلك فقد غنت أم كلثوم للعديد من مجالات الحياة الأخرى الدينية والسياسية والوطنية. فقد غنت من أجل السد العالي، وضد الاستعمار، ومن أجل الثورة العراقية، ومن أجل جمال عبدالناصر. كما أنها أبدعت في الغناء الديني، وأغنيتها الشهيرة «إلى عرفات الله» تحمل كلمات رائعة لأحمد شوقي، ونغمات رخيمة لرياض السنباطي، وأداءً لا يعلو عليه أداء.
ولم تكن هذه النوعية من الأغنيات مجرد تعبير أيديولوجي عابر وجامد، بقدر ما كان يجمع بين تحقيق رسالة مجتمعية ما، وبين الإمتاع الفني لجمهور المستمعين، وهو الأمر الذي كانت تحرص عليه أم كلثوم طيلة حياتها. ومن الضروري أن نذكر هنا ذلك المجهود الضخم والبالغ الوطنية الذي بذلته أم كلثوم في الغناء في معظم الدول العربية من أجل المجهود الحربي فيما بعد هزيمة 1967 الكارثية، رغم ما كانت تكابده من مشاكل صحية عديدة، أبرزها مشاكل النظر والكبد.
تأتي الذكرى الثانية والثلاثون لأم كلثوم وحال الأغنية العربية في أسوأ حال. فرغم السيل الهائل من المغنين والمغنيات، الذي يتشابه مع معدلات الإنجاب العربية العالية، فإن الأغنية العربية قد تحولت إلى مسخ شائه، إلى الحد الذي لا يستطيع أن يتعرف فيه المشاهد العربي على كنه هذه النوعية من الأغنيات، وما إذا كانت عربية أو غربية. لا تنفصل فنون الأمم وإبداعاتها عن واقعها الاجتماعي والسياسي، فحيثما تتطور الأمم وتتقدم، تتقدم معها فنونها وإبداعاتها، والعكس أيضاً صحيح. ولعل ذلك يفسر لماذا لم تستطع مصر طوال العقود الثلاثة الماضية أن تنتج أم كلثوم أخرى، أو حتى ما يقارب قامتها، واكتفت بمغنين ومغنيات الأفراح والموالد ومواسم الانتخابات السياسية.
كاتب مصري
salehabdelazim@hotmail.com
