تنفس اللبنانيون الصعداء في ظل أيام التهدئة التي خيمت على البلد طوال الاسبوع الماضي، بعد أسابيع مديدة من حبس الأنفاس والتي كادت تتعرض للاختناق في دخان يومي الثلاثاء والخميس الأسود· وساعدت "التحيات" المتبادلة بين رئيس الحكومة وأمين عام حزب الله عبر التصريحات الداعية إلى تغليب الحكمة ونبذ الفتنة، في تنفيس حالة الاحتقان والتوتر التي هيمنت على الحركة السياسية منذ بدء الاعتصامات وما تلاها من حفلات تصعيد وشحن وتعبئة لدى فريقي الاكثرية والمعارضة·
ولكن تجارب الازمات المتكررة علمت اللبنانيين ان التهدئة وحدها لا تكفي للخروج من المأزق وبلوغ شواطئ الحل المقبول والدائم، لذلك تنتظر الاكثرية الساحقة من اللبنانيين الخطوات العملية التي ستعقب فترة التهدئة: هل ستكون جنوحا في اتجاه المعالجة السياسية الحاسمة بعدما اكد كل من الرئيس السنيورة والسيد نصر الله تمسكهما بالحل السياسي، ام ان الضغوطات والتدخلات الخارجية ستعيد الازمة إلى نقطة الصفر، ويعود معها التوتر والاحتقان من جديد إلى الشارع؟
لقد اكدت الوقائع المحلية وما يواكبها من تطورات اقليمية، خاصة على صعيد الاتصالات السعودية - الايرانية ما كنا قد قلناه منذ بداية الازمة الحالية، بأن الحل ليس ولن يكون لبنانيا، لان اسباب الازمة ليست لبنانية بل هي نتاج هذا الصراع الاقليمي الدولي المحتدم في اكثر من بقعة في المنطقة وخاصة في العراق وفلسطين ولبنان، حيث تحولت شعوب البلدان الثلاثة إلى "حطب للحريق" في معركة تصفية الحسابات بين قوى عظمى تتقدمها الولايات المتحدة الاميركية واطراف محورية يشكل التحالف الايراني - السوري قاعدتها الاساسية·
وبدا واضحا بعد شهرين ونيف من اندلاع الازمة عند استقالة وزراء امل وحزب الله من الحكومة ان المسألة ليست "رمانة" المشاركة في القرارات المصيرية، علي نحو ما تم تبريره عند اعلان الاستقالة، بل هي القلوب المليانة من المحكمة الدولية وهواجسها المحلية والاقليمية، وخاصة الاقليمية التي يختصرها الموقف السوري برفض قيام المحكمة قبل انتهاء التحقيق الدولي·
ويأتي هذا الرفض السوري الحاسم للمحكمة لينفي أي جدوى من الاقتراحات المتداولة لتشكيل لجنة مشتركة من الاكثرية والمعارضة للبحث في نظام المحكمة وتعديل ما يتم التوافق على تعديله من بنودها، لان المعارضة السورية تطال المحكمة من اساسها وليس بعض بنودها كما كان البعض يتصور سابقا·
من هنا كانت التهدئة خطوة ضرورية ولا غنى عنها، لتأخذ كل الاطراف المعنية اللبنانية منها والاقليمية، وكذلك الدولية الوقت اللازم لاعادة حساباتها من جديد على ضوء الموقف السوري المستجد، والقادر على خربطة أية تسوية اقليمية أو داخلية، لا تأخذ بعين الاعتبار موقفه من المحكمة، هذا من جهة ومن جهة ثانية لافساح المجال امام المزيد من المشاورات السعودية - الايرانية وما يواكبها من اتصالات يقوم بها الامير بندر بن سلطان في عواصم القرار الدولي، توصلا إلى "صفقة" تشمل "سلة" الأزمات المشتعلة في المنطقة بما فيها الملف النووي الايراني، اضافة إلى الازمة اللبنانية وقتال الأخوة العبثي في فلسطين والعراق·
والحقيقة ان لا التهدئة وحدها تشكل ضمانة للاستقرار ولا التصريحات المعلنة من كل الافرقاء بالعمل على منع اندلاع الفتنة وانفجار الأزمة في الشارع تكفي للتأكد من عدم انزلاق الوطن الصغير إلى مهاوي الحروب العبثية من جديد·
ولا بد من التأكيد من جديد، ان التلاقي والحوار والتوافق بين اللبنانيين يشكل نصف الطريق على طريق الحل الحاسم للازمة المتفاقمة، وان النصف الآخر للحل يكمن في معالجة الموقف السوري، ليس من قضية المحكمة الدولية وحسب، بل وايضا من مجمل العلاقات المتأزمة مع لبنان، تمهيدا لفتح صفحة جديدة بين بيروت ودمشق، تراعى فيها مبادئ التعاون على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية·
ومقاربة ملف العلاقات اللبنانية - السورية يحتاج بالدرجة الاولى إلى موقف جديد وجريء من الحكومتين اللبنانية والسورية، يتجاوز من خلاله الجانبان عقبات المرحلة السابقة، ويستفيدان من دروس وعبر التجربة المريرة، وينطلقان من اعتراف كل طرف بحق الطرف الآخر في معالجة شؤونه الداخلية وفق خصوصياته واوضاعه وتوازناته المحلية، بما لا يتعارض مع تعهداته بعدم السماح بأي نشاط معادٍ للطرف الآخر·
لقد حفل تاريخ العلاقات بين البلدين الشقيقين بمثل تلك الصيغ من التعاون والتفاهم بعد ازمات خانقة بينهما، كان ابرزها الصيغة التي اتفق عليها الزعيم جمال عبد الناصر مع الرئيس فؤاد شهاب في "اجتماع الخيمة" الشهير على الحدود اللبنانية - السورية، بعد أزمة متمادية بين البلدين وصلت ملفاتها إلى الامم المتحدة عبر شكوى لبنانية ضد سوريا لاتهامها بتهريب السلاح وإرسال متطوعين إلى لبنان للمشاركة في احداث عام 1958!
ولكن·· ماذا بالنسبة لموضوع المحكمة الدولية الذي تبين انه المفجر للازمة الحالية، وهو العقبة الكأداء التي تعترض سبيل أية محاولة لتحسين العلاقات مع دمشق؟
الواقع ان تداخل اللبناني مع الاقليمي والدولي في موضوع المحكمة الدولية، يزيد الامن تعقيدا عند طرح هذا الملف على بساط البحث، كبند من بنود الازمة الحالية، التي ما زال التوصل إلى الحل المنشود لها مستعصياً، بسبب عدم الوصول إلى صيغة مقبولة لمسألة المحكمة ترضي عائلة الرئيس الشهيد ومعها الاكثرية الحالية وتطمئن في الوقت نفسه دمشق ومعها المعارضة اللبنانية وفي مقدمتها حزب الله·
ويرى بعض الخبراء القانونيين ان تشكيل لجنة من الموالاة والمعارضة لدرس بنود نظام المحكمة دون تحديد سقف زمني لأنجاز مهمتها، من شأنه ان يشكل مدخلا لمعالجة هادئة ومسؤولة لملف المحكمة بالنسبة لتأليفها وتوقيت اعلان قيامها، مع العلم ان المحكمة العتيدة تحتاج لمدة سنة على الأقل لمباشرة عملها بعد إنجاز خطوات تحديد المقر، وترشيح القضاة، وتسمية المدعي العام، وتأمين التمويل اللازم لعملها لفترة ثلاث سنوات على الأقل·
ولا بد أن تواكب مثل هذه الخطوة، اتصالات إيرانية وروسية مع دمشق لإقناعها بهذا "الحل المؤقت"، أو "هذا المخرج المرحلي" لعقدة المحكمة التي ما زالت تعطل مساعي حل الأزمة اللبنانية، وتحول دون عودة اللبنانيين إلى طاولة الحوار للتوافق على تشكيلة حكومة الوحدة الوطنية والقضايا الخلافية الأخرى·
كما ان نجاح مثل هذه الخطوة، قد يحتاج إلى اتصالات سعودية مع واشنطن وباريس، الراعيين الأساسيين لمشروع المحكمة للوقوف على رأيهما بمثل هذه الصيغة، الذي تحافظ على المحكمة ولكنها تؤخر إقرارها إلى حين التوصل إلى توافق لبناني حولها، ومعالجة الهواجس السورية منها·
ولا نذيع سراً إذا قلنا أن اتجاه الرياح المقبلة نحو التهدئة أو العودة إلى التصعيد والتوتير والتفجير تبقى رهن ما سيتم التوافق عليه اقليمياً ودولياً حول موضوع المحكمة ويتم إبلاغه لاحقاً للأفرقاء اللبنانيين·
صلاح سلام