كشفت الأحداث الأخيرة التي شهدتها بعض مديريات محافظة صعدة، والتي فجرتها عصابة التخريب من أتباع الحوثي، وكذا التداعيات التي أخذت تنسحب منها جراء إصرار تلك الشرذمة على الاستمرار في غيِّها وأفعالها الإجرامية بحق وطنها وشعبها ومجتمعها، عن أن تلك العصابة التي أعلنت العصيان والخروج على النظام والقانون ولجأت إلى التحصن في كهوف الجبال، ليس لها أية قضية وطنية، وأن ما تتحرك في إطاره يندرج ضمن لعبة قذرة ترمي في أساسها إلى إيقاظ الفتن التي يحاول البعض مع الأسف تعميمها على المنطقة، وذلك لما من شأنه خلق المزيد من بؤر الاضطراب والقلاقل عن طريق استغلال السُذَّج وإثارة نوازع التعصب المذهبي والطائفي وإشغال هذه المنطقة بمعارك جانبية تلهيها عن قضاياها الرئيسية في التصدي لما تموج به المنطقة من تحديات وتطورات ومتغيرات متسارعة على أكثر من صعيد.
وبناءً على هذه الوقائع وقراءتها على نحو صحيح، ليس هناك مبرر واحد يجعلنا نتهاون أو نتردد أمام أي عمل أو تصرف أو سلوك أرعن يحاول النيل من مصالحنا الوطنية والإضرار بأمننا واستقرارنا وسلامنا الاجتماعي، لإيماننا الوثيق بأن بديل الاستقرار هو الفوضى والتراجع وتوقف مسيرة التنمية والبناء والدخول في مستنقع الأزمات، مدركين في هذا الصدد أن ما ينعم به الوطن اليمني الآن من مناخات الأمن والتطور والتحديث والوحدة والديمقراطية، هي منجزات لم تأت بضربة حظ أو بالصدفة، بل كانت ثمرة جهد ونضال وسهر ومثابرة، بل إنه لم يكن لتلك الإنجازات أن تتحقق وتصبح من معالم وشواهد اليمن الجديد دون مجتمع قوي متين القواعد والأركان موحد في رؤاه وثقافته وثوابته العقدية والوطنية، وبالتالي فمن حق مجتمع بهذا الرسوخ أن يتخذ المواقف التي يراها بحق من تسوِّل له نفسه التعدي على مكاسبه وتعريض مصالحه للتصدع تحت أية دوافع أو غايات أو نوايا.
كما أنه ليس من حق أحد أن يلومنا على هذا الموقف أو يطلب منا تفسيراً له، إذ أننا وما دمنا نحترم خصوصيات الآخرين ونرفض التدخل في شؤونهم الداخلية، فإننا نرفض أن يتدخل أحد في شأننا الداخلي، باعتبار أن هذه القضية المهمة ترتبط مصيرياً بالسيادة واستقلالية قرارنا الوطني، وقد تجسد هذا المفهوم في مضمون ما ناقشه يوم أمس مجلس الدفاع الوطني برئاسة فخامة الرئىس علي عبدالله صالح، رئيس الجمهورية، ومن ذلك إعادة النظر في علاقة اليمن مع بعض الدول في ضوء مواقفها وتدخلاتها في الشأن اليمني.
ونعتقد أن منطق المكاشفة يقتضي منا التأكيد على أننا أصبحنا أمام عدد من المؤشرات التي تُفصح عن أن ما تقوم به عصابة التخريب من أتباع الحوثي من أفعال مُنكرة، وما تقترفه من اعتداءات وما عمدت إليه من إخلال بالأمن والسكينة العامة، وكذا محاولاتها للانقلاب على الشرعية الدستورية والثوابت الوطنية، إلى جانب ما انتهجته من أساليب معادية للنظام الجمهوري والوحدة والديمقراطية بات مُتسقاً بطريقة أو بأخرى، بشكل مباشر أو غير مباشر، بتصفية حسابات إقليمية ربما أخطأت المكان والاختيار حين لجأت إلى استغلال تلك الشرذمة الضالة لتنفيذ جزء من مخططها في يمن الإيمان والحكمة، دون دراية منها بأن اليمن عصيٌّ على المخططات التآمرية، والتاريخ يشهد على ذلك.
ومع ذلك فإن ما جرى في صعدة مؤخراً، رغم سوءته، قد فتح أعيننا للانتباه أكثر على كل ما يتصل بحماية أمننا وسلامة وطننا، بل إنه رفع من يقظة جميع اليمنيين وجعلهم أكثر استشعاراً بأهمية التكاتف والتلاحم في هذه المرحلة التي تغوص فيها منطقتنا في الكثير من التناقضات والازمات التي جعلت منها ساحة للارتكاس ورقعة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
وهو الموقف الذي ينبغي أن تتحلى به مختلف الأحزاب والتنظيمات السياسية أكان ذلك في تعاطيها الإعلامي أو السياسي حتى تبرهن أنها على ذلك القدر من الاقتناع بأن من يستهدف أمننا إنما يستهدف أرزاقنا وإعاقة مسيرتنا نحو المستقبل، بل إنه لا يتورع عن دفع وطننا إلى منزلقات خطرة لسنا ببعيدين عن مظاهرها وتداعياتها التدميرية، سواء ما يحدث منها داخل هذه المنطقة أو خارجها.