يضع التقرير الأخير للهيئة الحكومية التابعة للأمم المتحدة المعنية بالمناخ المجتمع الإنساني أمام تداعيات إهمال حالة ارتفاع حرارة الأرض، والتي تقع على الإنسان مسؤولية رئيسية فيها، مؤكدا أن نتائج ذلك سيكون ضرب التوازن البيئي وتهديد اقتصادات الدول وتعرض حياة الملايين للخطر من خلال ارتفاع منسوب البحار وزيادة حالات الجفاف والفيضانات والأعاصير وغيرها من الكوارث حول العالم بما في ذلك هجرات بيئية كبيرة.

والحديث عن الاحتباس الحراري ليس وليد الساعة، وان كانت الولايات المتحدة التي تعد اكبر دولة مسببة لانبعاث غازات الاحتباس قد تجاهلت الوقائع وحاربت العلماء المؤيدين للنظرية ورفضت التوقيع على اتفاقية كيوتو ولم تتخذ خطوات جدية لتفادي المخاطر. فقد أثار الموضوع خيال العديد من الفنانين وكان عنوانا لأفلام شاهدناها خلال السنوات الماضية، لكن ما يهم وسط هذه الصورة الإجمالية هو عدم وجود بدائل اقتصادية ذات جدوى للوقود بالرغم من مليارات الدولارات التي أنفقت على الأبحاث في هذا المجال.

ويرى البعض انه مع ارتفاع أسعار النفط أصبح القيام بمشاريع أخرى قائمة على الطاقة المتجددة ممكنا، ولعل الأكثر بروزا في هذه المرحلة الحديث عن الطاقة المعتمدة على الوقود الحيوي، إلا أن المخاوف تجاه هذه الطاقة بدأت تثار مؤخرا خصوصا مع إعلان الولايات المتحدة والصين عن نيتهما تقليص الاعتماد على الوقود الاحفوري على مدى العقد القادم وزيادة الاعتماد على مصادر بديلة.

وما يثير القلق في الواقع هو الطريقة التي يجري فيها تطوير هذا الوقود الحيوي والتي تخلف تأثيرات بيئية تدميرية على حياة الناس حول العالم وأمنهم الغذائي، خصوصا أن قوانين التجارة العالمية تسمح بالإنتاج الواسع النطاق للوقود الحيوي الموجه للتصدير بالاعتماد على زراعة محصول آحادي معدل جينيا، يشكل السبب الأول لانتزاع السكان من أريافهم ولاقتلاع الغابات وتلوث الأنهار والبحيرات وجفاف الأراضي وسوء استخدامها واستنزاف الموارد المائية وغيرها، علما ان «مزارع الوقود» هذه تعود تراخيصها فقط إلى الشركات الكبيرة العاملة في مجال الطاقة الحيوية والتي تتحكم ببراءات الاختراع، وهذا مما يثير امتعاض الكثيرين من المدافعين عن البيئة بما في ذلك المؤيدون لأهمية تقليص انبعاث الغازات المضرة بالمناخ.

لكن في ظل صعوبة الحصول على النفط وارتفاع أسعاره فان دولا نامية مثل البرازيل والهند والصين سوف تنظر إلى الوقود الحيوي كحل جزئي لاعتمادها المفرط على الوقود الاحفوري في اقتصادها، مما يطرح تساؤلات هامة حول كيفية تامين موارد الطاقة لهذه البلدان وتحقيق التنمية لمجتمعاتها في الوقت نفسه في ظل ما هو قائم عالميا.

والحال أن الكثير من الكتابات حول التغيير المناخي تثير تساؤلات حول نهاية النفط الرخيص كذلك حول مرحلة ما بعد النفط وماذا سيكون عليه وضع الأمن الغذائي بعد أن يصبح الاعتماد على المشاريع الزراعية الصناعية الكبيرة غير ذات جدوى مع ارتفاع تكاليف الوقود التي تشغل هذه المنشآت؟

إن تراجع القدرة الإنتاجية للنفط عالميا مقابل ارتفاع الطلب عليه وزيادة أسعار كل السلع كنتيجة لارتفاع أسعاره سوف يحد من القدرة على التعامل مع نتائج التغير المناخي، لكن حينها نكون قد خلقنا مشكلة أمن غذائي للعالم وأعدنا صور المجاعة والبؤس والفقر.

وإذ ينظر البعض إلى أن الطريقة الوحيدة لجعل نظامنا البيئي صحيا هي خلق الثروة من حولنا لأن الدول الغنية وحدها تتحمل عدم استخراج الموارد الطبيعية واستنزافها بشكل كبيير، فان الحقائق تشير إلى أن المسبب الرئيسي لهذا التدمير هي شركات هذه الدول وان قدرتها على عدم استنزاف مواردها يعود إلى حد بعيد إلى وعي سكانها لكن بدرجة اكبر من استغلال واستنزاف موارد الغير.

فالمشكلة ليست تقنية فقط إنما واقع نظام اجتماعي اقتصادي عالمي وضرورة النظر إلى انسنته وتنظيمه وتحقيق استدامة التنمية في إطاره للجميع. ولا شك أن الاهتمام بالبيئة والمناخ سوف يكون جزءا كبيرا من هذا السؤال؟